(30) حكايات سينمائية : الخرسان .. ونساء الأهوار
قبل أن أبدأ التصوير في الأهوار وأثناء إستطلاعي للمنطقة سجلت ملاحظاتي عنها. وأنا عندي طريقة في عملية الإستطلاع تتمثل في أنني لا أذهب بعيدا مع الشخص الذي أشعر أن لديه غنى في الحديث أو لديه معلومات مثيرة أو أن طريقته تلقائية ومشوقة في الحديث.
حالما أعثر على مثل هذا الشخص فإني أسجل عنوانه وأتركه دون أن أتوغل في التفاصيل معه. والسبب يعود إلى أنه عندما يتحدث معي بكامل التفاصيل ثم أعود لأصوره فإنه سوف يعيد ما قاله بشكل تمثيلي وسف يفقد التلقائية فأنا أريد ان أفاجئه بطريقة الإسئلة. وعند التصوير سوف لن أحاوره بالسؤال والجواب فأنا لست مقدم برنامج تلفزيوني. أنني أدع الشخص يتحدث ما يريد يتصرف ما يريد يخرج من الكادر يدخل في الكادر يقوم بفعل ينهض يجلس وأنا أكون قد إتفقت مع المصور مسبقا. كيف نتصرف. الفيلم الوثائقي هو لغة التلقائية.
وقبل التصوير عقدت إجتماعا مع فريق العمل لأحدد للمصورين زواياهم المسبقة وعدساتهم المسبقة وأثناء التصوير يسود الصمت الكامل وحتى في فترات توقف التصوير وإعادة تحريك الكاميرا فإني أمنع الحديث إلا عند الضرورة ويكون همساَ. لا أحد يضحك لا أحد يعلق.
المصوران يضعان كاميرتيهما على كتفيهما ومهنددس الصوت يوجه ميكرفونه المحمول نحو موضوع التصوير والمساعد يكتب ملاحظاته ساكتا وأنا عيون متقدة وأتحول إلى كتلة من الإحساس. هذا بشكل عام في عملي ولكن في الأهوار تكون هذه الحالات أكثر إلتزاماَ فالموضوع حساس ويحتاج إلى صمت فنحن أمام نقيق الضفادق وصوت طيور "الصميجي – السميجي" وصوت المجذاف وغناء الأبوذية.
الكاميرا تدور وكل شيء يلتقط بالصورة والصوت. وعلينا أن نجلس في مشحوفنا المتهادي أو طرادتنا المتهادية أو بركشنا المتهادي ونحن نسمع بإستمرا ألحان ألأبو ذيه.
سألت بعض سكان الأهوار .. ماذا تعني كلمة "الأبو ذيه" قالوا لي "أبو الأذيه" لم يقنعني الجواب وأظن أنه الشعر الذي ينتهي بالياء والهاء - هو الشعر ذو الـ يه – أبو ذو اليه – أبو ذيه" وكنت أتمتع بشعر الأبو ذيه. سمعت كلمات وأغان ذات شجن شعري لا مثيل له. لا أعرف كيف يلتقطون الكلمات .. إنه الحب الذي يأتي بالشجن الجميل شعراَ.
يمر الشباب ويغنون وهم يجذفون. يحدثوننا فلا نجيب. يسلمون علينا ولا نجيب. تمر النسوة ويسألننا ماذا تعملون. لا نجيب. يشتموننا فلا نجيب. ثم تقول المعيدية لصاحبتها وهي تجذف. "خرسين – خرسان" ثم يبتعدن عنا. يتوغل الزروق بين أحراش القصب وغاباته والقصب يصطدم بالكاميرا وبالصوت من كثر التوغل الصعب ونحن نصور ونسجل الصوت ولا نتحدث.الصمت .. الخرس .. السكوت .. صوت الضفادع لا أريده أن يصطدم بكلمات من المصور أو مساعد المخرج .. الجميع مصابون بالخرس! هكذا ساد الإعتقاد بالإهوار، أن مجموعة من أهل المدينة يحملون معدات سوداء ولا يتحدثون .. هم "خرسين – خرسان" بهذه الطريقة صورت الأهوار. صورت هؤلاء القوم أحفاد السومريين الذين إخترعوا الكتابة الأولى وأحفادهم اليوم لا يكتبون!
توغلنا داخل غابات القصب. الصبايا الجميلات جداَ وإلى جانبهم الشباب يتوغلون في مساحات الماء وداخل غابات القصب ويجتثون القصب من أعلى جذوره النابتة في الماء وهم يغنون، ثم يغادرون المنطقة. نحن في قارب طويل وعددنا مع المعدات الكثير والزورق يكاد أن يغرق وعلينا أن لانتحرك يمنة ويسرى. نحن تركنا المركب لأنه يسير في الموتور ويخرج صوتا. تحركت زوارق الصبايا والشباب عائدين نحو بيوتهم وصورناهم من بعيد ثم لحقنا بهم وسرنا معهم.
الزوراق تسير والصبايا ساحرات الجمال يجذفن مع الشباب ونحن نسير معهم بشكل متواز. كنت أتطلع إلى جمال النساء ورشاقة أجسادهن. جمال ساحر وأخاذ. ونحن نصورهن تذكرت صوفيا لورين في فتاة النهر وسلفانا منكانو في الرز المر. تمعنت في المرأة القريبة مني بالشيلة السوداء فوق الثوب الأخضر والعيون السوداء والملامح الحادة والجسد الرشيق وهي تجذف بطريقة عبقرية والمشاحيف موكب واحد يمخر عباب الهور فيما يشبه أفق البحر. لمحتها وكانت ساحرة الجمال. تصورتها وقد أخذتها معي من الهور إلى المدينة وقد أخذت دشا وإغتسلت بالشامبو المعطر الذي لا تعرفه فتروح عنها رائحة البردي وحليب الجاموس والسمك وهي تتحدث بلهجة الهور والمعدان كلمات العشق التي يستعملونها بينهم في الأهوار دونما إحراج. تصورتها معي في حياتي تدخل الحمام وتخرج وفد نثرت ظفيرتها شعرا كحليا وإستلقت على السرير فأغطي جسمي بشعرها الكحلي وأدفن رأسي بصدرها السومري وأرحل معها قرونا نحو معابد أور نقيم الصلاة للأله إنليل ونبارك له نبتة الحياة
صورنا المشهد وأبتعدت عني وكان صاحبها يغني لها.
الواحد ما يصير إثنين بالقيد
ولا عندي حجي العذال بالقيد
وحك اليسروه للشام بالقيد
يلين المايحن قلبه عليه
ترى كيف يعرف هذا الذي لا يكتب قانون جدل الحسابات في الحياة "الواحد ما يصير إثنين بالقيد".
كيف لا يكتب الذين إخترعوا الكتابة ويغنون عنها .. أشياء تحتاج إلى إبحار في عالم الأهوار الغامض الغريب.
توقفنا ظهرا عن التصوير. وتهادى مركبنا بعد أن أطفأنا محركه. وفتحنا علبة من الباذنجان صناعة كربلاء كي نأكل منها سندويتشه. كانت صورة الباذنجان مغرية على العلبة وأنا من عشاق الباذنجان. عندما فتحناها وجدناها "دبسا" كربلائيا. الصورة باذنجان والمحتوى دبس. مكتوب عليها صناعة وطنية. تناولنا غداءنا جبنا مع الشاي وجلب لنا مدير الإنتاج خبزا حاراَ.
وعندما مالت الشمس قليلا. كان في برنامجي الذهاب نحو كوخ صغير جدا كنت قد إستطلعته وتعيش فيه إمرأة مسنة وحدها. وصلنا حيث يطفو الكوخ فوق الماء. الكوخ عبارة عن سقيفة من حصيريتن "باريه" فوق بضعة أوتاد. والكوخ مثبت فوق جباشة صغيرة. هي جالسة فوق الجباشة التي هي أرضية الكوخ. أمامها وضعت طستا يطفو فوق الماء وفي داخل الطست منقلة صغيرة وعليها "المطال" وهو روث الحيوانات اليابس عملت منه جمراَ وبقايا رماد وفوق هذا الروث والرماد عجنت ووضعت ثلاث قطع من العجين على شكل أقراص خبز بحجم الكف تقلبها بالمنقاش مدافة برماد روث الحيوانات.
كنا نصورها وقدمت لنا خبزة من الخبزات الثلاث. صراحة تظاهرت اني قضمت منها قطعة. وعندما أنهينا تصويرها وهي تتحدث وتبكي ناولتها من ميزانية الأنتاج خمسة دنانير فقبلتها وبدأت تدعو لنا بالخير وتبكي. وغادرناها نحو الفندق العائم لنغير الأفلام ونأخذ قسطا من الراحة. حيث لدينا موعد مع صيادي السمك ليلا.
حل الليل وظلامه على الأهوار حيث لا يرى سوى بصيص فوانيس في بضعة أكواخ، وأكواخ كثيرة تعيش في العتمة. ينام أهلها على أسرة عائمة فوق الجباشة وكثيراَ ما يجدون أفاع تشاركهم الفراش وكثيرا ما رحلوا عن هذه الدنيا بفعل لدغة الضيفة الأفعى.
خرج الصيادون ليلا في زواقهم وفي مقدمة كل زورق فانوس يتهادى ظله في الماء متموجاَ. شاهدناهم في كرنفال يملأ مساحات الأهوار وبأيديهم الفالة وهي نفس الأداة التي كان يستعملها السومريون وقد شاهدتها في جدارية سومرية في المتحف البريطاني.
الكاميرا السينمائية تحتاج إلى ضوء والضوء المصنوع يدمر جمال الفوانيس وجمال عتمة الليل فما كان مني ومن المصور رفعت عبد الحميد والمصور سلمان مزعل سوى اللجوء لتغيير سرعة الكاميرا ما يؤثر ذلك بشكل غير محسوس على حركة الزوارق والصيد من أجل السماح لكمية أكثر من الضوء أن تتسرب إلى الفيلم الحساس. نجحنا في تصوير المشهد بجمالية عالية بدون إضاءة سوى إضاءة الفوانيس وتغيير سرعة الغالق. كان مشهداَ ساحر الجمال وقد إقترحت أنا له نوع الموسيقى التي عزفت على الدف والناي. عازف الدف لا أتذكر إسمه "أعتذر بشدة" وعازف الناي فائق حنا.
توغلنا معهم مسافات ولم تنتابنا لحظة قلق ولا لحظة خوف .. هؤلاء أحفاد السومريين، أحفاد كلكامش والإله أنليل. نمشي معه بأمان.
أحداث لاحقة:
بعد سقوط النظام ذهبت إلى البصرة وأردت زيارة الأهوار. تحدثت مع اللواء محمد جواد هويدي قائد عمليات البصرة. قال لي لا تذهب .. سوف يخطفونك وسنبذل جهدا وقد نجدك وقد لا نجدك. قال لي لقد خطفوا منهدسا قبل أيام وكنت موقنا أنهم لم يخفوه في أي مكان في أحياء البصرة لأن أهالي البصرة يبلغون عن كل إرهابي في مدينتهم. وكنت موقنا أنهم يخفونه في الأهوار ويهاتفوننا من مكان بعيد. أخذت طائرة هوليكبتر وبدأت أمسح مساحات الأهوار. فشاهدت زورقا مغطى يتحرك بين أحراش القصب. قمنا بعملية إنزال في المنطقة فشاهدت المشحوف مغطى ببطانية ورفعناها فكان المهندس مشدوداَ في الزورق وقد حررناه. لا تذهب إلى الأهوار. وإن ذهبت فلا تتوغل بين غابات القصب! الأهوار أصبحت موحشة ولا تسمع فيها أصوات الحياة. لا تسمع نقيق الضفادع ولا تغريد الطيور. هي الأهوار ولكنها ليست هي .. كيف نعيد إليها الحياة؟
بقي فيلمي الأهوار الشاهد الوحيد، وكانت سلطة الدكتاتور قد أعدمت الفيلم عندما قرروا تجفيف الأهوار حتى يخفوا معالم الحياة الجميلة ويبرروا الجريمة. عندي نسخة من الفيلم ولكنها ليست نسخة فيلم .. فيها بقايا حياة مثل ما في الأهوار بقايا حياة من الصعب أن أحصل على نسخة من فيلمي ذاك .. ترى من يملك نسخة نظامية من الفيلم وعلى شريط سينمائي؟!
توجد نسخة واحدة في إسرائيل. أخذوها مني عندما سرقوا كل ممتلكاتي عام 1982 أثناء ما غزت القوات الإسرائلية لبنان ودخلت بيروت ودخلت القبو الذي فيه أفلامي ووثائقي فأخذوها إلى أسرائيل وفي داخل الصندوق نسخة سينمائية من فيلم الأهوار!؟
سينمائي عراقي مقيم في هولندا
sununu@ziggo.nl
- أغنية عراقية يغنيها السوريون الآن
- مستشار المالكي: كردستان لها الحق بتشكيل دولة واستقلالها سيجري علناً بعد موافقة جميع الأطراف
- لن ننسى جرائم انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 : الذكرى التاسعة والأربعون لأستشهاد مئات المناضلين العراقيين على ايدي أنقلاب البعث المجرم
- الاتحاد الوطني: لسنا على علم فيما اذا كان الهاشمي غادر السليمانية
- شمول اربعة قضاة مرشحين لعضوية محكمة التمييز بإجراءات أجتثاث البعث
- السيرة المهنية والآعلامية للكاتب والشاعر زهير الدجيلي
- أنتخبوا أتحاد الشعب
- تراث سياسي : في الذكرى الثانية والخمسين لمصرع الملك فيصل الثاني رحمه الله .. 14 تموز / يوليو 1958
- قصة المحامية لهيب التي اعتدى عليها عُدي بن صدام
- فدرالية البصرة من عبد اللطيف وحزب الفضيلة الى حزب الدعوة
- العراقية ابنة " الشطرة " " ريام ناجي عجمي " تفوز بجائزة اليونسكو - لوريال للعالمات الشابات
- حكومة المالكي تتهم الهاشمي بالضلوع في محاولة تفجير البرلمان
- الشاعر محمد علي القصاب شاعر غنائي كبير




del.icio.us
Digg
face book
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ (تعليقات القراء تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر عن رأي موقع صحيفة الجيران)