الرئيسية | تراث وفلكلور | (31) حكايات سينمائية : الدكتور مجدي وأبو محيبس ومائدة نزهت

(31) حكايات سينمائية : الدكتور مجدي وأبو محيبس ومائدة نزهت

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image المخرج السينمائي العراقي قاسم حول وراء الكاميرا

"وقفة" – تأتيني رسائل كثيرة بصدد نشر هذه المذكرات. أحبتي قارئي هذه الحكايات. أنا أدون في هذه الحكايات الحقائق الموضوعية التي قد تؤذي وقد تفرح وأنا دائما أحب أن تكون الحكايات مفرحة ولا تؤذي. إذا لم تكن مفرحة اليوم فإنها ستكون مفرحة في الغد "

في إيذائها اليوم فالحقائق الموضوعية سبب الإيذاء والفرح ولست أنا. عندما نعتمد الحقيقة الموضوعية مبدءا في كتاباتنا فينبغي أن نكون سعداء وعندما أكتب فأنا أقف أمام الضمير لأنني لا أخاف سوى من وخزة الضمير .. محبتي .. قاسم

**   **

 كل الناس جميلين في الأهوار. لا يملك المرء سوى أن يعشقهم. كانت عندي مشاهد مهمة في مدرسة الأهوار. وهي تحتاج إلى تفرغ ورسم مشاهد بالإنارة وإلتقاط مشاهد عفوية للطلبة الصغار وللمعلمين. المشاهد تحتاج إلى راحة بال.

فكرت أن أراقب المدرسة أكثر مما راقبتها،  أن أتأملها مليا. وخبرتهم إني بحاجة إلى إستطلاع المدرسة ودراسة مشاهدها أكثر، لكن ما أثارني وأنا سبق وأن أستطلعت موقع التصوير أني قرأت سجل الطلاب فوجدت فيه مادة غزيرة للتصوير.

 ولكن كان علي التصرف بحكمة لأن عددا غير قليل من الطلاب وصورهم موجودة في السجل قد تركوا الدراسة لأسباب إقتصادية وهذا لا يروق للدولة، فيجب أن أصور السجل بطريقة لا تجلب الإنتباه .. أصوره صفحة صفحة.

حملنا معنا الكاميرات على سبيل الإحتياط كما وأنني حتى ولو لم يكن عندي تصوير لا أفضل إبقاء الكاميرا في الأوتيل العائم مع أننا من الدولة وكل شيء بحماية! وقبل أن أغادر الفندق العائم، شاهدت مركبا يسمونه "ماطور" يتوجه نحو الفندق وفي مقدمته شخص فرش بساطا وعندما إقترب المركب شاهدت أمامه قدرين وطاسة ثلج وقنينة عرق. كان قد وضع أمامه كأسا من العرق وصحن سلاطة يشرب ويأخذ لقمة من الرز والبامية فوقه مع قطعة لحم كبيرة.

 ووقف المركب محاذيا للزورق العائم. سلم علي بتعال. ورددت التحية بأحسن منها! قال لي أريد أن أستأجر غرفة في الفندق العائم. قلت له أنا لست مدير الفندق ولكن الفندق مسـتأجر بالكامل من قبل فريق التصوير. أصر وكان ثملا يرتشف من كأس الخمر ويأكل الرز والبامية. أنهيت الموضوع معه بأن الحديث في هذا الموضوع غير مجد وإذا أصررت فسأترك الأمر لصاحب الأوتيل لكي يتصرف معك ولكني لا أسمح بأي شخص يدخل الفندق العائم  لأني مشغول بالتصوير والفندق صغير ومحجوز لنا وفيه معدات سينمائية  غالية الثمن.

طلب منه صاحب المركب أن يعود وغادرنا بسلام. بعد بضعة أيام قرأت في صحيفة وفي زاوية شكاوى المواطنين أن أشخاصا من وزارة الثقافة منعوا المواطنين من التمتع بالإقامة في الفندق العائم!

نزلنا للذهاب للإستطلاع في المدرسة ومعنا الكاميرات والعاكسات والصوت ونحن في المركب شاهدنا شخصا يحمل جسما بشريا لأمرأة بالملابس السوداء وحجمها صغير وينزل من المشحوب ويضعها على فسحة عائمة "جباشة وبقايا تراب وأرض في أطرافها.

 طلبت من السائق الذهاب نحو المكان فشاهدناها وهي تنازع الموت. أسرعنا بالكاميرا وشددنا البطارية وكان المكان مظللا بأكواخ مهجورة فإستعملنا العاكسات ولم يكن ثمة وقت لتثبيتها فمسكت العاكسة في يدي تستقبل الضوء من عاكسة أخرى في الشمس وسلطت الضوء على وجهها وظهرت أنا في الصورة معها أسلط عليها الضوء وقد وضعت بإتجاه القبلة وهي تلفظ الشهادة ودموع أبنها تنهمر.

 لم يتمكن من إيصالها للمستوصف فلفضت أنفاسها الأخيرة وبدأ الأبن يبكي سألناه أن كان يريدنا نقلها للبيت فلم يوافق ولكن بعض من كانوا معه غادرونا وعلى ما يبدو سوف ينجزون مراسيم النقل التي يعرفونها بأنفسهم. وذهبنا بإتجاه المدرسة.

 كانت الحادثة مؤلمة حقا. قلت مع نفسي دعني أعرج على المستوصف وأخبر الطبيب مجدي بما  حدث.
كان الطبيب مجدي يعيش في الأهوار في داخل المستوصف. وقد راقبته كثيرا وسألت عنه الناس فكانوا يعشقونه حقا. كان يقضي النهار في المستوصف ويذهب في الليل بالمشحوف يمر على الأكواخ وهو يحمل معه أدواته الطبية وحقيبة من الأدوية وكان عندهم زورقا سريعا للحالات الطارئة التي يرسلون المريض إلى محافظة العمارة لإدخاله المستشفى، ولكنه كان يتجول في المشحوف حتى لا يقلق الناس بالزورق السريع وصوته وهو يمخر عباب الأهوار.

كان ذلك اليوم هو اليوم الأخير للدكتور مجدي وكنت أجريت معه مقابلة وصورته مع المرضى. لم يكشف لي عن هويته السياسية ولكنه ليس بعثيا وهو في تقديري أقرب لليسار وربما كان شيوعيا وعلى الأغلب كان شيوعيا.

كان يجمع حقائبه فقد أنتهت فترة معايشته للأهوار بعد تخرجه وجيء بشخص بعثي ليحل محله. كان الطبيب البعثي يقضي أوقاته في صيد الطيور بالمركب السريع المهدى للأهوار من قبل الأمم المتحدة وحتى في بعض أوقات الدوام في المستوصف.

في المساء عندما غادر الدكتور مجدي الأهوار ودع بتظاهرة من الزوارق والدموع وأوصلوه إلى مدخل مدينة العمارة.

ذهبنا إلى المدرسة وجلست في الصفوف أستمع للدروس وأراقب وجوه التلاميذ وفي الإستراحة خرجت معهم وشاهدت منظراَ لم أر مثله في كل أنحاء العالم وهو أن الطلبة عندما يغادرون الصف لبضعة دقائق يظلون يدورون في المدرسة ويقرأون كلهم في الدروس فتختلط أصوات الجغرافيا بأصوات التاريخ وأصوات القراءة بأصوات الحساب. سيمفونية مدرسية نادرة وقررت تصويرها في اليوم التالي من زاوية عالية فيما هم يدورون في الساحة.

 كما وأنني طلبت من المدير أن يخبر أهالي الطلبة بأنني سوف أوفر لهم زيارة على حساب إنتاج الفيلم إلى مدينة العمارة لأن ثمة فكرة خطرت في بالي عندما كان المعلم يحدثهم عن السكر وعن قصب السكر وهم يعرفون كلمة قصب السكر والسكر ولم يشاهدوا بعيونهم كيف يصنع.

 وبعد أن علمت بأن معمل السكر موجود في مدينة العمارة القريبة من هور الصحين طلبت من مدير الإنتاج أن يوفر لهم هذه الزيارة وأن أصورهم في معمل السكر وألتقط ردود أفعالهم على صناعة السكر من قصب السكر.

لماذا كل هذا التصوير سألني مساعدي يوما؟ هذه كمية أكبر بكثير من فيلم طوله ساعة. أوضحت له بأنني أوثق الواقع لأنها فرصة سيما وأن العمليات الفنية سوف أقوم بها في إيطاليا وسوف تكون عندنا مادة نادرة عن الأهوار. كنت أثق بمساعدي حسين أمين ولا أخاف منه وكان هو الآخر يثق بي وكان يعمل بإخلاص ويحل لي كثيرا من المشاكل ووقوفه إلى جانبي وهو موظف في المؤسسة كان مفيدا للفيلم.

الغداء جاهز .. سمك الأهوار مشوي بالتنور مع الخبز. هل تودون الأكل في المدرسة وعلى طاولات الإدارة أم تودون تناول طعام الغداء في المركب. كنت أفضل أن نأكل في المركب وهو يتهادى وحده في الماء حيث كافة فترات الظهيرة كنت أريدها هكذا. نطفئ ماكنة الماطور ونترك المركب يمشي مع حركة الماء متهاديا. ولكن لأن الأكلة سمك فقد فضلت أكلها على الطاولات وأن نأخذ معنا الشاي في المركب. وأكيد سوف نستلقي على أطراف المركب وفي قاعدته أو ننام جالسين ونحن نتنفس عبق البردي والكعيبة.

كان السمك شهيا ومشويا بطريقة محمصة مع خبز محمص أيضا ومعه بضعة خبزات مصنوعة من الذرة ولها طعم خاص. ثم ذهبنا في المركب وشربنا الشاي ونمنا حتى مالت الشمس قليلا  وذهبنا إلى حيث يسكن "أبو محيبس"

أبو محيبس شخصية جميلة وإبن الأهوار حقا وهو متزوج من ثلاث نساء واحدة ماتت والثانية كما يقول كانت عندها طلبات كثير وعندما سألته عن طلباتها قال طلبت مني مشطا وصابونة، يقول فطلقتها وأضطررت من الزواج بالثالثة.

 وسجلت له هذا الحديث. كما سجلت له حديثا ظريفا حيث زارت يوما المطربة "مائدة نزهت" منطقة الأهوار لتصوير أحدى أغانيها فتعرفت على "أبو محيبس" وساعدها في التصوير هو وأولاده وصارت تصور وتعود إلى بغداد ثم تعود لإستكمال التصوير وكان هو دائما يرافقها في الأهوار وفي المضايف والبيوت. ومعهم الكاميرات.

 وفي السفرة الأخيرة التي زارت فيها مائدة نزهت الأهوار أخبرته بأن يستمع للإذاعة العراقية في وقت معين فإنه سوف يتسلم هدية منها وسوف يعرفها في تلك المقابلة مع مائدة نزهت.

 يقول جلست ومعي "الراديون!" كما يسميه وبقيت أنتظر حتى سمعت حديثا في "الراديون" للمطربة مائدة نزهت وهي تتحدث عن أغانيها الجديدة وقالت لقد ساعدني كثيرا "أبو محيبس" ولذلك غنيت له هذه الأغنية وهي هدية مني إلى "أبو محيبس" وعنوان الأغنية هو "أبو محيبس يبو زبون الأطلسي" فضحك معقبا. "أنا عبالي راح توديلي قندرة عباية صابونه على الأقل ..  ثاري طلعت الهدية أغنية. جا أنا شسوي بالأغنية آكل بيها أشرب بيها .. أبو محيبس يبو زبون الأطلسي" صورنا حديثه كاملا وحدثنا عن زوجاته الثلاث ثم غادرناه.

قيل لي ونحن في المدرسة نبحث في شؤون الطلاب إن هناك طالب من أبناء الأهوار أنهى المرحلة الثانوية في مدينة العمارة ثم إلتحق بجامعة البصرة. وكان هذا الطالب حديث أهالي الأهوار أن شخصا من أهالي هور الصحين سوف يصبح ذا شأن ويعتقدون ربما سوف يصبح وزيراَ في الدولة ويلتفت صوب أهله ويحسن حال معيشتهم.

سألت عن عائلته فقيل لي أن والده متوفى وأمه تعيش وحدها وأخوانه جنود في الجيش في مدينة العمارة. وعنده أخوات يعشن في الكوخ مع أمهم.

ثمة كوخ صغير عائم على جباشة تعيش فيه أم هذا الطالب الجامعي. مسكنا الكاميرا محمولة على الكتف. وسألتها عن إبنها فروت لي الحادثة وحدثتني كيف يساعدونه ماليا من الرواتب البسيطة لأخوته الجنود في الجيش العراقي، عسى أن يوفقه الله في المدرسة وهي لا تعرف أن إسمها جامعة وتسميها مدرسة. لا تعرف ماذا تعني الجامعة. سجلت الحديث معها وسجلت إسم ولدها وقلت لفريق التصوير بعد أن نستكمل التصوير في الأهوار يجب أن نذهب إلى جامعة البصرة بحثا عن الأبن المتفوق في دراسته.

عندما أنهينا التصوير في الأهوار وذهبت إلى البصرة. حاولت جهدي أن ألتقي الطالب لكنه وبعد أن سمع أننا صورنا والدته بات يشعر بالخجل فهو قد أخفى حقيقة كونه من الأهوار أمام الطلبة وبشكل خاص أمام الطالبات! وقال لهم أني من مدينة العمارة.

حاولت  أن ألتقيه وصار يتهرب من التواجد في الجامعة. ثم أرسلت له خبرا بأننا لن نصوره ولكني اود أن ألتقيه فنحن لن نصور الأشخاص إلا برغبتهم وموافقتهم ولكني أود لقاءه لأمر هام. جاء مع رئيس الإتحاد الوطني لطلبة العراق وطلبت أن أختلي معه في أحد الصفوف. وجلسنا وحدنا في الصف. وأول كلام قاله لي. "إذا صورتموني وأظهرتهم واقعي في الأهوار والكوخ الذي نعيش فيه وأظهرتم أمي في الفيلم ثم صورتموني وأنا في الجامعة فأنا أما أن أنتحر أو أترك الجامعة إلى الأبد"

قلت له إطمئن فإذا لم تقتنع بما سوف أقوله لك فإني سوف أحذف المشهد من الفيلم. قلت له وأنا لا أزال أتذكر كل كلمة قلتها له:

 "أنا مثلك فقير الحال وإبن الريف العراقي في ناحية المدنية. والدي فقير جداَ ولا يعرف القراءة والكتابة وكذا والدتي. لم أذق طعم اللحم سوى في مرحلة متأخرة من صباي وكذا البرتقال والموز وكنت أشتهي الموز عندما أراه في الأسواق ويوما كان أحد زملائي يملك موزة تكاد أن تكون تالفة وقد وضعها في كيس.

 كان فقيرا  مثلي ووالده حصل على موزة ووضعها له في كيس يأكلها في فسحة الإستراحة في المدرسة. وقد وعدني أن أذوق طرف الموزة وهي في الكيس. وفي ذلك اليوم ذقت طعم الموزة.

 أنا الآن مخرج سينمائي وصوري في الصحافة وفي التلفزة وكلما أجروا معي مقابلة تحدثت فيها عن هذا الماضي الذي أنا فخور به حيث نشأت في بيئة فقيرة وكنت أبيع العلك في الشوارع وأساعد أهلي.

 لم يكن عندي حذاء أذهب فيه للمدرسة ولا بنطلون. كنت أذهب للمدرسة في اللباس الداخلي الأسود. أنا الآن أعمل فيلما عن الأهوار لأن الأهوار حياتي وأهلي. وحلمي الأزلي أن أنهي حياتي السينمائية بفيلم عن الإمام الحسين  عليه السلام، لأنني بعد أن نشأت صرت أذهب لزيارة ضريح الإمام الحسين عليه السلام وكنت في صباي أقرأ الإستئذان بالدخول لمرقد الإمام الحسين عليه السلام في كتيب صغير تردد أمي الكلمات بعدي. وقد كتبت كل ذلك في رواياتي. وأنتظر الفرصة حتى أصور فيلم وملحمة  الإمام الحسين وحكايته فأنا أحبه لأنه يحبني أيضا فهو نصير الفقراء وكوننا فقراء هذا ليس عيبا.

 والحسين عليه السلام قال لأصحابه في الطريق انه يناضل ضد الذين "إستأثروا بالفيء" وإستشهد من أجل الفقراء في أكثر الملاحم تراجيدية في التاريخ الإنساني. قلت له كن على يقين إن فيلم الحسين عليه السلام سوف  يكون فيلم آخر أفلامي وبعدها أتوقف عن العمل السينمائي. وسوف أعمله مهما قست علي الظروف ولكن من خلال رؤيتي الخاصة إليه"
تعال نقف أنت وأنا على جباشة في الهور ونصرخ نحن أحفاد الحسين بن علي. ونحن  فقراء مثلهما ولكننا سوف نقهر الفقر ولن ندعه يقهرنا فهل تقبل أن أصورك؟

بدأت دموعه تنهمر ونحن وحدنا في الصف. ثم قال لي " لا أستطيع أن أتحدث .. لا أعرف الحديث أمام الكاميرا .. تستطيع أن تصورني وأنا أمشي في الجامعة. وضعت يدي على كتفه وقلت له لو أعلنت عن نفسك كما أنت فإن أجمل الصبايا سوف يعشقنك كثيرا .. فلا تخف"
 

سينمائي عراقي مقيم في هولندا
sununu@ziggo.nl

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Add to your del.icio.us face book

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تعليقات سابقة):

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ (تعليقات القراء تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر عن رأي موقع صحيفة الجيران) comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
2.00