الرئيسية | تراث وفلكلور | وجه حفيدي يذكرّني ـ خيون التميمي

وجه حفيدي يذكرّني ـ خيون التميمي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image من شعارات الحزب الشيوعي العراقي

في هذا اليوم كنت وحيدا مع حفيدي ذو الأربع أشهر تارة أطعمه الحليب وأخرى ألاعبه ولا أدري كيف وقف شخص والدي الراحل الحاج سعدون الحاج حبيب أمام ناظري بهيبته وضحكته الرائعة،

تذكرت كيف كنا نجلس أنا وهو وحيدين  ’ يشرع بالحديث عن تأريخه الناصع وذكرياته النضالية المرصعة بالبطولة والشجاعة بمقارعة الأستعمار وعن تحركه السياسي في عشائر كرمة بني سعيد ومعرفته الواسعة لتأريخ القبائل والعشائر العربية. 

 وكان يعد نسابا لها يرجع له كثير من محبي المعرفة وكذلك رجوع الدولة له حين تشكل عليها مسالة تأريخية تخص إنتماء عائلي أو عشائري.

  لقد حدثني عن فترة ثورة 1936 المسماة ثورة سوق الشيوخ وكيف تعرف الى الحزب الشيوعي العراقي وتأريخ إنتمائه له لقد كان يخصني بذكرياته وخصوصا أثناء الحرب العراقية الأيرانية جاعلاً حديثنا بعيدنا عن مسامع إخوتي الصغار خوفا من إرغامهم من قبل النظام البعثي المنهار على إخبارهم عن ما يدور من أحاديث في البيت.  لقد كان الأنتماء الحزبي العراقي يكاد يكون إنتماء عائلي فترى هذه العائلة تنتمي للحزب الشيوعي وتلك لحزب قومي أو بعثي خصوصا قبل مؤامرة البعث عام 1963 على ثورة 14 تموز. لقد نشأنا ومن قبل مئات السنين في قرية المؤمنين والتي سميت بعد ذلك بالكرمة من أعمال قضاء سوق  الشيوخ.


عمل والدي من صباه أي بعمر الثامنة عشر بمهنة الخياطة على يد خياط من الناصرية وهو السيد علي رحمه الله  في قرية المؤمنين، وهذه المهنة جعلت محله ملتقى للمعلمين الذين جائوا الى القرية عام 1925 عام فتح أول مدرسة رسمية،  وذلك بعد دراسته الموسعة في الحوزة  العلمية  الكبيرة آنذاك وتأريخها العريق ومنها جاء إسم قريتنا (المؤمنين)، وكان المعلمون يحملون أفكارا تحررية آنذاك.

وفي عام 1936 شارك والدي فيها وكان عمره حينها 22 عاما، وبحكم مهنته كان يذهب الى قضاء سوق الشيوخ  وتعرف على المدينة والخياطين فيها وكان من أخلص أصدقائه سيد كاظم أبو جواد طيبين الذكر (أبو جواد من الشيوعين القدماء في السوق ومنه تعلم خياطة البنطلون كما يقول رحمه الله).

وفي بداية الحرب العالمية الثانية تعرف والدي الذي كان يكره الأحتلال البريطاني والأستعمار على الحزب النازي وإنظم اليه على مبدأ عدو عدوي صديقي، وفي عام 1937 ومن سوق الشيوخ تعرف على حزب التحرر الوطني وإنتمى حينها الى الحزب هو والسيد علوان السيد مكطوف الذي بقي في صفوفه لحين إعلان إنهاء عمله بعد ثورة 14 تموز. وفي أواخر عام 1938 تعرف والدي على شخصية شيوعية مهمة آنذاك وهو المرحوم عبد الجبار البدري الذي أخذ يحدثه عن الحزب كثيرا والذي سمع  أول بيان له عام 1936 إبان الثورة التي ذكرتها، وإنشد ألى أفكار الحزب ومبادئه وإنظم اليه عام 1939 وكان من النشيطين فيه وكان يحدثني عن تحركاته بين الفلاحين مبينا لهم الحالة التي هم فيها من بؤس وإستغلال.

 وشكل أول خلية فلاحية في قرية البحارنة مع طيب الذكر كاظم البحراني أبو جواد. سألته مرة ماهي أهم مهماتك الحزبية التي كنت تحبها؟ يقول رحمه الله كنت مسؤولا عن جمع أخبار الفلاحين وتجاوزات رجال الأقطاع في الريف وكنت أرسلها الى الحزب لتأخذ طريقها للنشر في الصحافة العراقي العلنية آنذاك.


وفي ثورة 14 تموز الخالدة كان يعمل في منظمات الحزب الشيوعي مثل أنصار السلام والشبيبة والجمعيات الفلاحية، وأتذكر من أصقائه في الجمعيات الفلاحية في ناحية الطار طيب الذكر سيد جاسم، المهم في 8 شباط المشؤوم أعتقل والدي مع من أعتقل من الشيوعيين من قبل الحرس القومي سيئ الصيت وسجن في سجن الخيالة مع كثير من الشيوعين وأتذكر منهم طيب الذكر ورفيقه وصديقه طعمة مرداس وخضر القيسي وطعمة الشنون  ونوري فليفل وكثيرون لايسعني ذكرهم،

كان بيتنا دائما تحت غزوات رجال الحرس القومي وبعدهم رجال الأمن، وكم هي الحالات التي سجن فيها والدي مع الوطنين طيبي الذكر في الكرمة وهم الحاج صالح الحلو وجبارة علوان و ملا طاهر وجدنا حاج علاوي ومحمد الضيدان ولعدة مرات،

وبعد عام 1961 أعيد عمل الحزب الشيوعي في الكرمة بعد ان اصيب قانون الأصلاح الزراعي بنكسة وحصلت الردة وهذا ما حدثني به الكاتب الأستاذ زهير الدجيلي وهو حي يرزق أطال الله عمره بأنه كان ياتي بالبريد الى الكرمة ويسلمه لوالدي وهذا الحديث كان في جدة عندما عملت معه في الإذاعة العراقية وبعد أن رأى والدي عندما ألحقته معي من رفحاء جاء للسلام عليه وقد عرفه وأخذ يحدثني عنه كثيرا، بعد ذلك سلم التنظيم للأستاذ عاجل كريم رحمه الله الذي كان معلما في الكرمة وقد حدثني والدي كثيرا عن المرحلة التي أعيد فيها التنظيم في الكرمة وأذكر منها مراقبة رجال الأمن لهم.
وفي أحد الأيام من آخر سنة 1965 كان لديه إجتماع في بيت العم حاج محمود الشيخ نعمه هو والمرحوم نوري فليفل والمرحوم كاظم البحراني أبو جواد والحاج أبو جمعه ووثلاث معلمين لا تحضرني أسمائهم، وقبل دخولهم الدار لاحظ والدي متابعة المدعو (عاتي) لهم وكان وقتها وكيلا للأمن، فطلب والدي من رفاقه إلغاء الموعد  وفعلا أجل اللقاء، وفي اليوم الثاني جاء مفوض الأمن من سوق الشيوخ آنذاك لوالدي وأخبره بأنهم يعلمون بتحركاتهم وأنهم يجتمعون في بيت حاج محمود وقريبا سيمسكونهم وهم مجتمعين وهذا بمثاية تهديد لهم، وإستمر والدي في العمل لحد أواخر عام 1965 عندما أطلق سراح الشهيد الخالد صاحب علي من السجن وحاول والدي تعليمه الخياطة لتكون وسيلة عيش له لكن الشهيد عاد الى التنظيم وهو عضو محلية الناصرية ومشاغله كثيرة فقال لوادي (أبو خيون إنت تريد تحبسني مرة ثانية بدكان وبإرادتي لا يخوي أنا أريد أعمل وعملي الحزبي أهم من الخياطة).


في أواخر عام 1966 وقبل النكسة بالتحديد فضل والدي ترك العمل التنظيمي لأسباب لامجال لذكرها الآن لكنه بقي ملازما للحزب ويدفع التبرع  الشهري، لم يستطع طغيان البعث أن يهز والدي وصموده بوجه البعث وطغيانه حتى أن المنظمة البعثية في الكرمة كانت تهابه أكثر من حذره منهم ولم يستطع أحد إرغامنا على تلويث بيتنا بصور الدكتاتور الساقط ولم يسمح من أن يكون بعثيا في بيتنا. ومنذ عام 1959 كان عرضة للأعتقال  ولمرات كثيرة. ولكن بالرغم من كل هذا العمل وعبر كل هذه السنين الطويلة كان دائم الصلاة ولا يترك زيارة للأئمة الأطهار قطعا وخصوصا الشعبانية وأربعينية الحسين علية السلام.

سألته مرة عن عمله أيام ثورة 14 تموز وإزدحام واجباته، هل صادف مرة إنك أجلت صلاتك نتيجة الأنشغال؟

 أقسم إنه لم يقطع صلاته وصيامه يوما واحدا ويقسم هو أنه لم يؤجل صلاة الفجر إلا مرة واحدة عند عودته من حج بيت الله الحرام عام 1985 نتيجة لحالة الغيبوبة التي أصابته وهو نائم عند الفجر وهو الذي يصلي صلاة الليل ولم ينقطع عنها، هو أو جميع رفاقه من الفلاحين في عشائرنا او في الكرمة، ولم يطلب منه الحزب أو من غيره أن يتركوا الصلاة، وقد ذكر لي يوما أنه كان في إجتماع قبل عام 1958 في الناصرية وكان موسعا مهما للحزب وكان في أحد البيوت السرية وقد دام أكثر من ثمان ساعات وفي نصف الأجتماع حضرت صلاة الظهر أعطى المسؤول عن الأجتماع  فترة إستراحة للصلاة، وتفرق الأجتماع وصلى الرفاق في غرفة معدة لأدائها وبعد أن إنتهى المصلون من صلاتهم واصلوا الأجتماع،

هذه هي مبادئ الحزب كما أسلفت إحترام الحرية الدينية، وكذلك أتحدى كائن من يكن ان يأتي بمنشور سري أو علني أو مقولة للحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه ولحد الآن تحرض ضد الدين أي دين كان أو عقيدة أو يدعوا لقطع الواجبات الدينية مهما كان الدين إذ أن الحزب الشيوعي لايتدخل في المعتقدات الخاصة بالأنسان كائن من يكن وهذه ضمن مبدأ الحرية الشخصية وشعار الدين لله والوطن للجميع، وأن موكب العباسية تأسس عام 1947 في كربلاء ومنه تعلم الشعراء الحسينيون نظم القصائد المدافعة عن حقوق أبناء الشعب عندما تعتدي على حقوقه الحكومة وكذلك نظم القصائد التي تلهب الجماهير ثورية.
لقد كان رحمه الله مثالا للشيوعي، يقتسم قوتنا مع أي محتاج ولقد رعى عوائل شهداء الحركة الوطنية  والدينية، ولن أنسى رعايته لعائلة الشهيد الشيخ عبد الرزاق داوود الذي أعدم مع الشهيد الصدر الأول وهم لا يعلمون من يأتي بالمؤنة لهم ليلا لكون بيتهم مراقب من قبل الأمن  فكان يستغل هجيع الليل ويذهب الى بيتهم ويضع (المسواك) في داخل البيت لكون بابهم من الخشب القديم وغير مقفل لحين خروجنا في الأنتفاضة الكبيرة التي لازمنا فيها من الصباح الى ساعة متأخرة من الليل مزهوا بنا ويشد من أزرنا ولحمتنا.


إفتقدته العائلة فجأة وبدون إنذار بعد خروجنا من الكرمة حينها علموا أن ذلك الرجل هو أبو خيون، الكريم الشجاع الذي يشهد له الأعداء قبل الأهل والأصدقاء والذي إفتقدته كرمة بني سعيد وعشائرها وهم يحفظون كثيرا من مآثره وحبه للناس ، حتى أن رجل الأمن ومسؤول دائرة سوق الشيوخ من عام 1982 الى ما بعد الأنتفاضة، توفي رحمه الله ،كان ياتيه بكل خبر يخص عائلتنا ومن الذي يراقبنا ويحذرنا من رجال الأمن وعملائه الذين لا يعرفهم والدي وهذه نتيجة رعايته له عندما كان طفلا وهو اليتيم مع أخته وأخوه،

هذا والدي الذي علمنا أخلاق الشيوعيين طابعا فينا صفاته وصفاتهم الراقية المبنية على الشجاعة والكرم وسمو الأخلاق، وبعد وفاته عام 1999 أقمنا له الفاتحة في مشيكان، وستلمت كثير من الرسائل لكني لن أنسى رسالة الفقيد سيد صاحب جمال الدين الذي يعرف كثيرا من جزئيات حياته مخاطبنا ( رحل الذي لم يستطع النظام القمعي من طأطأة رأسه الشامخ، رحل الشجاع الغيور الذي نفتقده في منطقتنا، رحل الصامد على مبادئه) ، نعم  شيعته جموع العراقين من مختلف الأطياف الى مثواه الأخير في مشيكان منفاه الأجباري، رحم الله والدي وجميع رفاقه الراحلين الذين خلفوا لنا تأريخا ناصعا مضحين من أجل شعبهم ووطنهم ديدنهم كأي شيوعي ناضل من أجل شعبه ووطنه وشكرا لحفيدي الذي  أعادني الى ذكرى والدي  وتأريخه الناصع .
ملاحظة مهمة :-
من رفاق والدي القدماء أذكر منهم المرحوم فليح الخياط (والد الشاعر ناهض فليح الخياط)
عبد الجبار عبد الكريم البدري وهو من قدماء الشيوعين و هو عم زوجتي
طيب الذكر طعمة مرداس وخضر القيسي وعاجل كريم وطعمه الشنون ونوري فليفل والحاج محمود الشيخ نعمة وكاظم البحراني  وسيد علوان السيد مكطوف من حزب التحررالوطني وحاج علاوي العبد الرضا وسيد علي خياط في الناصرية وأبو شعب  خياط في الناصرية وغيرهم كثير من الرفاق القدماء في كرمة بني سعيد و سوق الشيوخ والناصرية وفي محافظات  كثيرة من عراقنا الحبيب  الذين لاتحضرني أسمائهم الذكر الطيب الدائم لهم جميعا .

خيون التميمي
23/2/2010
مشيكان

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Add to your del.icio.us face book

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تعليقات سابقة):

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ (تعليقات القراء تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر عن رأي موقع صحيفة الجيران) comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0