الكوارث المرورية في العراق....الطرقات أيضاً تقتل
275 ألف سيارة قبل العام 2003، وأكثر من مليوني سيارة بعدها، هذه حال بغداد مع أزمة السير. والرقم أيضاً قياسي على مستوى العراق الذي يعتبر من أكثر بلدان العالم خطورة على الطرقات (2108 ضحايا لكل مئة حادث).
والسؤال: هل إنه النظام المروري المنفلت مع موجة الانفلات الأمني، أم أنها الاختناقات المرورية وانعدام التعاون بين السائقين والشرطة المرورية، أم تراه غياب ثقافة احترام القانون في سنوات القتل العشوائي؟
الحوادث المرورية في العالم تعتبر احدى المشاكل الضخمة العصية عن الحلول، بدليل أن مليوناً وثلاثمئة ألف شخص يموتون سنوياً على الطرقات، في حين يصاب مليون آخر بعوق وعجز دائم مدى الحياة. وفي التقديرات أن الزيادة في حوادث السير سوف تصل الى 65 في المئة في العام 2020، وأن تسعين في المئة منها من نصيب البلدان النامية.
والعراق لا يشكل استثناء بطبيعة الحال، إلا أن معدل الحوادث التي يشهدها يعتبر بين المعدلات المرتفعة جداً، التي لا يمكن ادراجها في خانة «القضاء والقدر»، وإنما تحت عناوين أخرى يمكن دراستها وتفادي معظمها في حالات كثيرة لعل أبرزها:
- شبكة الطرقات، لا سيما في بغداد، قديمة مهترئة ضيقة، وغير مجهزة بأماكن للوقوف ولا بمواقف عامة.
- بعض الشوارع والجسور والأنفاق مغلقة لدواع أمنية، الأمر الذي يضاعف الزخم المروري في الشوارع المتبقية.
- الحواجز الكونكريتية تنتشر بكثافة في الشوارع، وتحتكر جانباً مهماً منها أحياناً، لحماية المنشآت الرسمية وبعض الأبنية السكنية.
- الآليات العسكرية الثقيلة دمّرت جوانب الشوارع والأرصفة والجزرات الوسطية، وتنقلها يؤدي الى اضطراب مروري شديد.
- أصحاب المحلات والبسطات التجارية ارتجلوا «محلات رديفة» على الأرصفة تصل أحياناً الى وسط الشارع، وفي شوارع معينة استحدثت أسواقاً للخضار والفاكهة والبضاعة الصينية الرخيصة، فضلاً عن انتشار الباعة المتجولين والمتسولين بين السيارات، وهم في معظمهم من القاصرين.
- تزايد اقبال المراهقين أو صغار السن الذين لا يملكون اجازات سوق رسمية على القيادة، وهؤلاء لا يلتزمون عادة بالنظام المروري، ولا بتعليمات شرطة المرور، ويمارسون سباقات على حسابهم وهمهم تجاوز السيارات التي تسير أمامهم بكل الوسائل المتاحة، ولو تسببوا بالكوارث أحياناً.
- ضعف الوعي المروري وتراجع الحس المدني عند شريحة واسعة من السائقين، الذين لا ينتظرون دورهم في حالات الاختناق.
- غياب العقوبات الرادعة في حق المخالفين، كسحب رخص القيادة أو فرض الغرامات المالية المرتفعة.
- الارهاق والتعب وتأثير الأدوية المهدئة للأعصاب والكحول أحياناً، واستخدام الهاتف النقال، وكلها تؤدي الى عدم التركيز وعدم اتخاذ الاجراءات المناسبة لتفادي الاصطدام.
- العمليات الارهابية والتفجيرات التي تثير الرعب أحياناً وتؤدي الى سلوك غير عقلاني على الطرقات.
هذه العناوين وسواها عراقية بامتياز، ويمكن أن نضيف اليها - في الفترة الأخيرة - الهجمات التي تتعرض لها الدوريات وعناصر الشرطة المرورية، والتي تندرج في المسلسل الارهابي الطويل، والتي ذهب ضحيتها عدد غير قليل من رجال الشرطة بين قتيل وجريح، الأمر الذي أحدث توتراً عالياً في الشوارع العامة، اضطر معه عناصر شرطة المرور الى حمل بنادقهم بصورة احترازية، علماً أن مهمتهم مدنية أكثر منها أمنية أو عسكرية. ومعروف أن استهداف شرطة السير في طبيعته هو استهداف للاستقرار والأمان داخل العاصمة، من أجل خلق موجة من الفوضى لا تخدم في النهاية إلا الجماعات المسلحة التي تستهدف بدورها العملية السياسية والأمن بصورة عامة.
أسباب أخرى
وتشير الدراسات الى ان أهم اسباب المشكلة المرورية هي الاعداد الكبيرة من السيارات التي دخلت العراق بعد العام 2003 والتي لا تتناسب مع احوال الطرق فضلا عن قدم الطرق والشوارع وقلة ادامتها وضعف دور الاشارات المرورية إضافة الى الحواجز الكونكريتية التي فاقمت المشكلة.
الا ان ثمة من يربط هذه الحوادث المرورية بتوقف اجازات السوق التي كانت تمنح سابقا للمواطنين الذين يرغبون في قيادة السيارات ضمن شروط معينة منها اللياقة البدنية والصحية مثل فحص العيون والفحوصات الأخرى والتي تؤهل طالب الرخصة لقيادة السيارة. غياب كل هذه الضرورات أفسح المجال امام ولوج ظاهرة قيادة المراهقين للمركبات بمختلف انواعها، وهذه الظاهرة يعتبرها البعض السبب الرئيس وراء تضاعف حوادث المرور.
ويصف عزت المعموري، وهو باحث اجتماعي قيادة صغار السن للحافلات الكبيرة الخاصة بالنقل الخارجي بـ «الامر الخطير». ويوضح في حديثه لـ«الاسبوعية» ان عددا كبيرا من الشاحنات يقودها اليوم شبان لم يبلغوا الثامنة عشرة من عمرهم وهذه مخالفة كبيرة. السائق في هذه الحال لم يبلغ مستوى الادراك الحسي والوعي الكامل في مواجهة الحوادث، والنتيجة أن هناك عدداً كبيراً من الضحايا يذهبون نتيجة غياب الاجراءات القانونية التي يفترض ان تكون موجودة بعد سبعة اعوام من التغيير.
ويلقي الكثيرون باللائمة على مديرية المرور العامة لتقصيرها في حسم ملف اجازات السوق والملفات الشائكة الاخرى الخاصة بكفاءة السيارات. ويقول ابو احمد (مواطن) أن الكثير من الامور لا تحظى باهتمام مديرية المرور العامة منتقدا تركيزها على جانب واحد فقط من أجل «استحصال مبالغ مالية» وهي مسألة حزام الامان. ويضيف: لا يعقل ان أضع حزام الامان وأنا في شارع مغلق أسير بسرعة السلحفاة وكأننا تخلصنا من مشكلات حركة سير المرور والامور الادارية ونهتم بمن يرتدي حزام الامان. ويشير ابو احمد الى معاناته من قضية عائدات السيارات (المانفست) التي تسبب الكثير من الاشكالات في ما يتصل ببيعها وشرائها. وبحسب ابو احمد وصلت الازمات حول عائدية السيارة الى حد التهديد بالقتل وربما القتل في حد ذاته. وهو ينوه بسرعة سير السيارات على الطرقات الخارجية ويوضح انه من خلال متابعته فإن العالم كله يحدد سرعة للسائق على الطرقات الداخلية والخارجية على حد سواء لا تتجاوز الـ80 كيلومتراً في الساعة للسيارة الصغيرة في حين ان شوارع العراق تجد فيها سائقين يقودون وكانهم على حلبة للسباق.
والنظام المروري المنفلت قد يكون هو الاخر من مخلفات الاوضاع الامنية التي اهتزت كثيرا في السنوات الاخيرة، ويشير مختصون الى ان تركيز الحكومات على الجهد الامني جعل الملفات الاخرى تعيش حالة من الفوضى من دون الاخذ في الاعتبار ان اهمال ملف حيوي مثل ملف المرور مرادف لمشكلات جمة. ويرى المختصون انه من الواضح ان التدخل الحكومي لا يتناسب مع مستلزمات معالجة هذا الملف، ما جعل منه ملفا متشابكا مع ملفات أخرى، وحل هذا التشابك يتزايد ويتجاوز قدرات مديرية المرور العامة التي غابت او غيبت خلال السنوات السبع الاخيرة. وينوه البعض برفض القائمين على ادارة الدولة تسجيل المركبات بشكل دائم، ما جعل التعرف الى مالكي المركبات والسيارات التي تستخدم في عمليات التفجير أمرا مستحيلاً، لأنها تستملك بالوكالات وعقود البيع المؤقتة التي بقيت حتى الآن سببا في طرح الكثير من التساؤلات عن سبب اعتمادها، خصوصا وانها لا تتم الا بعد اجراء الفحص على المركبة والتأكد من السرقات والغرامات، بحيث لم يتبق لتمليكها سوى منح «السنوية» في دائرة المرور والانتهاء مشكلة المالك والحائز. وبحسب مسؤولين في مديرية المرور العامة فإن الاخيرة تعتزم البدء قريبا في تغيير لوحات السيارات التسجيل المؤقت واستبدالها باللوحات الرسمية، إلا ان هذه العملية ستفتح هي الاخرى الباب امام ملفات شائكة ومتشعبة تتعلق بحائز السيارة. وتشير احصائيات الى آلاف السيارات الموجودة حاليا في العراق ذات تسجيل مؤقت. واصحابها (المالك الحائز) غير موجودين، ومنهم من قضوا في اعمال عنف وآخرون خارج البلد او معتقلون.
والمسؤولون في المديرية يؤكدون أن حل هذه المشكلات لا تتوقف على مديرية المرور انما ترتبط بجهات اخرى. ويقول العميد نجم عبد جابر مدير العلاقات والإعلام في المديرية ان التسجيل المؤقت لم تقترحه مديرية المرور العامة، انما نتج من قرار خاطئ للحاكم المدني بول بريمر.
ويؤكد جابر لـ«الاسبوعية» ان «التسجيل الدائم اذا ما بشرنا فيه سيشترط حضور الحائزين أو المالكين المثبتة اسماؤهم في «السنوية المؤقتة» لتحويلها نحو التسجيل الدائم، والمديرية غير معنية بظروف استثنائية، ولا يمكن ان تتعامل وحدها مع حالات غياب صاحب السيارة تحت أي ظرف». وعن اسباب غياب اجازات السوق يوضح عبد جابر ان سبب تأخر اصدار اجازات السوق يعود الى تأخر شركة المانية متعاقدة مع مديرية المرور في تسليم المستلزمات الضرورية لغرض منح الإجازة، ومنها عدم وصول نماذج الإجازات (الرخص). ويشير العميد نجم الى انه كان من المفترض ان تسلم هذه الشركة تلك المستلزمات منذ فترة طويلة لكنها لم تقم بذلك حتى الآن.
ونجم يرفض الربط بين ارتفاع عدد الحوادث في العراق وقيادة المراهقين، ويرى ان اغلب الحوادث تقع في الطرق الخارجية «ولم نشهد وجود سائق صغير في الطرق الخارجية», لكنه يرى ان «تزايد الحوادث يعود الى اسباب اخرى، منها غياب الاشارات الضوئية في الكثير من الشوارع التي ربطها بعدم وجود جهات مختصة يمكن ان تزود الشوارع بتلك الاشارات، وفي السابق كان العراق يملك معملا للاشارات المرورية هو الاكبر في الشرق الاوسط، تعرض للدمار بعد الحرب وترك فراغاً في هذا المجال». ويوضح العميد نجم ان «امانة بغداد هي المسؤولة عن هندسة الطرق وما يتعلق بها». ويتضح من حديث المسؤولين ان ملف المرور في العراق يعاني من تشابك مع ملفات اخرى جعل منه قضية شاقة تتسم بالتعقيد وقد يحتاج الى سنوات قبل إيجاد الحلول الملائمة.
- أغنية عراقية يغنيها السوريون الآن
- مستشار المالكي: كردستان لها الحق بتشكيل دولة واستقلالها سيجري علناً بعد موافقة جميع الأطراف
- لن ننسى جرائم انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 : الذكرى التاسعة والأربعون لأستشهاد مئات المناضلين العراقيين على ايدي أنقلاب البعث المجرم
- الاتحاد الوطني: لسنا على علم فيما اذا كان الهاشمي غادر السليمانية
- شمول اربعة قضاة مرشحين لعضوية محكمة التمييز بإجراءات أجتثاث البعث
- السيرة المهنية والآعلامية للكاتب والشاعر زهير الدجيلي
- أنتخبوا أتحاد الشعب
- تراث سياسي : في الذكرى الثانية والخمسين لمصرع الملك فيصل الثاني رحمه الله .. 14 تموز / يوليو 1958
- قصة المحامية لهيب التي اعتدى عليها عُدي بن صدام
- العراقية ابنة " الشطرة " " ريام ناجي عجمي " تفوز بجائزة اليونسكو - لوريال للعالمات الشابات
- فدرالية البصرة من عبد اللطيف وحزب الفضيلة الى حزب الدعوة
- حكومة المالكي تتهم الهاشمي بالضلوع في محاولة تفجير البرلمان
- الشاعر محمد علي القصاب شاعر غنائي كبير




del.icio.us
Digg
face book
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ (تعليقات القراء تعبر عن آراء اصحابها ولا تعبر عن رأي موقع صحيفة الجيران)