يوميات جمعة اللامي : شكراً لساعي البريد |
| 20/11/2007 |
“إن الصحراء تنبسط، كثيباً إثر كثيب، تحت ضوء القمر. على جباهنا نور مصباح لا يكشف لنا الأشياء، ولكنه يخلقها، وهو يغذي كل شيء بالمادة اللينة” (اكزوبري: بريد الجنوب)
شكراً لك، أيها الشاعر باسم خضير المرعبي.
أيها الشمس الفراتية، يا صادق الوعد.
وأنت الليل، إذ تصبح ذلك المثوى.
“الليل ذلك المثوى”. هكذا يبتدىء السطر السابع من نص: “بريد الجنوب”، للشاعر الفرنسي انطوان دي سانت اكزوبري، بينما صاحبه معلق بين السماء والأرض، تحمله طائرة البريد التجاري، “بين تولوز الفرنسية، وأمريكا الجنوبية”، كما سجلت ذلك محطة اللاسلكي.
من السويد، حيث يقيم المرعبي، المواطن السويدي العراقي الأصل، بعث إليّ في مطلع هذا العام، بطرد قال انه يحتوي على نصي المفقود: “أشواق السيدة البابلية”، وكتبه الثلاثة: “الأرض المرة” و”سماء بطائر وحيد” و”العاطل عن الوردة، كلمات ثم كلمات، صوت الأرض” وهذه الأخيرة ثلاث مجموعات في كتاب واحد.
أراد المرعبي، ولا أتذكر أين التقينا الآن، هل في “ديوانية” ثورة العشرين، أم في مقهى متاعبنا العراقي، أن يقول أيضاً إنه أرسل العددين الأول والثاني من فصلية “ملامح” التي هو ناشرها المسؤول.
ذهبت بعد أسبوع من مكالمة هاتفية بيننا، أنا بالشارقة وهو بمدينة مارسويدية، ولم أجد الرزمة.
وبعد اسبوعين، وثلاثة اسابيع. وبعد شهر واسبوعين راجعت البريد، فلم أجد شيئاً. فقلت له عبر الهاتف: لم يصل بريدنا يا باسم! لا من الجنوب، ولا من الشمال!
استلم الشاعر المغامر، المهاجر بكلماته، كلماتي وهو يقول: نعم، كان لكم عالمكم، وهنا الآن عالم آخر كنت أحدثه عن الوطن، والاحتلال، وخيارات المبدعين الحقيقيين. كنت أقول له: “لا خلاف مع الوطن ابداً. أما الأحزاب، وأفكار مثقفيها، منذ ما قبل الحرب الباردة، فالخلاف واجب ثقافي ووطني”.
كان يشرح أفكاره، كما كان اكزوبري يراقب الليل والسماء والكون من قمرة القيادة الصغيرة والضيقة في طائرة “بريد الجنوب”. وحيداً إلا من الشعر، في بلد الثلج و”الشمس الأخرى”، والكلمات.
تماماً، مثل “سماء بطائر وحيد”، كنت أرى المرعبي.
ومرت أشهر، ولم تصل الرزمة.
وأخيراً، قلت له: لندع البريد يتكلم، وكان عنده عتب على “بريد الامارات، أم الخير” كما وصفها.
لكننا لم ننس بريدنا.
يوم الثلاثاء، أمس الأول، الساعة الأولى بعد منتصف النهار، رن الهاتف الذي بجوار رأسي، وخاطبني صوت بلهجة شامية: “قلبنا الدنيا عليك، استاذ جمعة، وأخيراً وجدنا هاتفك عند منبر الخليج بالجريدة”.
“الجريدة” في الشارقة، هي “الخليج”: بيتنا وإن كنا بعيدين عنه، وأخيراً كان “أبو تمام” و”محمد حسن” من بريد الشارقة في استقبالي في تلك اللحظات المفعمة بالأمل، وأنا أردد: “باسم، وصل بريدنا”!
جمعة اللامي sharjah_misan@yahoo.com |
|
|
|
|