المرجعية في العراق فقدت بريقها بعد ثلاث سنوات من الاخفاقات |
بغداد – زيد الزبيدي | 24/12/2007 |
اثار انقسام الشارع الشيعي في العراق ، حول توقيت عيد الاضحى ، جملة تساؤلات ، حول مدى استجابة المواطنين لنداءات المرجعية الدينية في النجف ، التي وضعت في هالة التقديس منذ قمع حركة السيد مقتدى الصدر في صيف 2004 ،والدور الذي لعبه السيد السيستاني في تلك الاحداث.
وبينما كانت جموع الحجاج على جبل عرفات ، في مكة ، يوم الثلاثاء الماضي ، ليكون عيد الاضحى صبيحة الاربعاء ، اعلن مكتب السيستاني ان العيد يصادف يوم الجمعة ، على الرغم من ان الحجاج العراقيين الشيعة ادوا مناسك العيد صبيحة الاربعاء،وشاركهم في ذلك الرئيس الايراني احمدي نجاد .
وبينما كانت كلمة السيستاني هي النافذة في الشارع العراقي ،وخاصة الاوساط السياسية – الدينية خلال السنوات الثلاث الماضية ، فان الامر اختلف هذه السنة ، واحتفلت اعداد كبيرة من الشيعة بالعيد في يوم الاربعاء ، بينما اتخد فريق ثالث حلاّ وسطا ، واحتفلوا يوم الخميس ، وهذا الفريق الثالث برر اليوم الوسط بانه اقتداء بالمرجع العراقي - اللبناني محمد حسين فضل الله ، ومنهم من قال اقتداء بمقتدى الصدر ، الذي لا يحمل صفة المرجعية او الافتاء .
على ان هذا الاختلاف ، رغم بساطته يعكس حقيقة واقعة ، لم تكن بارزة بهذا الشكل في السنوات الماضية ، وهي ان مرجعية النجف اخذت تفقد بريقها ، سياسيا ودينيا ، حيث تواجه حاليا سيلا من الانتقادات والتشكيك .
وفي مقدمة الانتقادات ، وأقلّها حدة ، ان نواب البرلمان ، الذين وصلوا الى مناصبهم "بفتاوى المرجعية" ، رفضوا الاستجابة الى اي مطلب من المرجعية ينال ولو ذرة من المكاسب الشخصية الكبيرة التي حققوها ، بما في ذلك استغلال مناصبهم للفوز بفرصة الحج ، وتعطيل عمل البرلمان ، وعدم اندماجهم مع الشعب للاستماع الى شكاواه ومعاناته .
وحسب احد البرلمانيين ، الذي لم يذكر السيد السيستاني بالاسم ، فان احد اكبر المراجع لم يغادر منزله منذ سنة 1997 ، خوفا ، إثر ما قيل عن تعرضه لمحاولة اغتيال ، سببها صراع النفوذ بين المرجعيات ، فكيف يمكن الاقتداء به عندما يطالب الاخرين بالاندماج مع الناس ، وهو معتكف منذ اكثر من 10 سنوات ، ولم يبرح مكانه الا عندما اقتربت منه معارك النجف في صيف 2004 ، حيث تم نقله تحت الحراسة المشددة التي شاركت فيها طائرات متعددة الجنسيات، الى البصرة ، ومنها الى لندن ، ليعود بعد ذلك ليعقد اتفاقا غير مباشر يبتعد فيه التيار الصدري عن النجف ، حتى تغادر القوات الحكومية والامريكية الصحن الحيدري وتبتعد "شكليا" عن المدينة .. " وقد كانت هذه الواقعة بداية لاقصاء التيار الصدري الذي كان مسيطرا على الحرم الحيدري ، وحلول ميليشيات بدر وغيرها محله ، ومن ثم احتواء التيار واستخدامه كأداة ضاربة في الحرب الطائفية".
على ان الانتقادات التي توجه الى المرجعية ، شملت الاهازيج الشعبية للشارع الشيعي ، الذي شعر بخيبة امل مريرة ازاء تردي الاوضاع ، بسبب ما اعتبر خديعة لانتخاب اناس ، تقول المرجعية نفسها انهم آثروا مصالحهم الخاصة على مصالح الذين انتخبوهم .. ومن هذه الاهازيج المتداولة باللهجة الشعبية العراقية تشير الى مامعناه "خدعتنا المرجعية ، وانتخبنا السيئين" ، بينما. ولعل أبرز المآخذ اتي يتحسسها الناس على المرجعية ، شعورهم بأن الاحتلال لم يأتِ "لإزالة مظلومية الشيعة" ، كما اوهمتهم بذلك القوى السياسية الدينية ، المدعومة من المرجعية ، او الناطقة باسمها ، وانما اتى لزيادة مظلوميتهم ، من خلال حرمانهم من الخدمات ونشر البطالة ، ورفع الدعم عن الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي والوقود، وصولا الى شحة مواد البطاقة التموينية، وعدم انتظام وصولها في مراكز المحافظات، ناهيك عن الاقضية والنواحي والقصبات .
ولم يملك بعض رجال الدين الشيعة ، ومنهم بعض ممثلي المرجعية ، سوى التنديد الخجول الذي تناول الجزئيات ، في حين لا يجرؤ احد على انتقاد الاحتلال "المنقذ" ، ولم يصدر عن المرجعية حتى الان اي موقف ضد الاحتلال ، بل العكس كان هو الصحيح في الواقع العملي ، من خلال الدعم المطلق لحكومات الاحتلال ، التي لم تاتِ بمعزل عن دعم المرجعية .
ويلاحظ المتابعون للوضع العام في العراق ، ان تلكؤ الحصة التموينية التي يعتمد عليها اكثر من 60 بالمئة من الشعب العراقي في معيشتهم ، وخاصة في الجنوب، لم يحظ بذلك القدر من الاهتمام "المرجعي" ، في وقت يتذكر ابناء الجنوب ان السبب الاول لاندلاع احداث 1991 ، إثر انسحاب الجيش العراقي من الكويت ، هو "الحصة التموينية" ، التي انقطعت عن المواطنين في الجنوب في الاشهر الثلاثة التي سبقت الحرب ، بسبب الحصار وسوء الادارة آنذاك ، ما ادى الى مهاجمة مخازن المواد الغذائية والدوائر الحكومية ، وهذا ما تداركه نظام صدام في حرب 2003 عندما وزع حصة ثلاثة اشهر مقدما.
ما يقود الى استذكار احداث 1991 ، هو ان الذين يباهون بـ "الانتفاضة الشعبانية" آنذاك ، هم الذين يحكمون الآن ، بدعم من المرجعية، وتحت خيمة الاحتلال ، وهم الذين يقطعون او ينصّفون الحصة التموينية ، بطلب من الاحتلال ، وقوته الاقتصادية الدولية .
والحقيقة التي يجب ان تذكر ، هي ان المرجعية لم يسمع لها صوت ابّان حكم صدام حسين ، بل حتى انها ارسلت وفدا قبل الغزو بمدة قصيرة الى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد ، الذي يتهمونه بمدح صدام ، للتفاوض معه حول صياغة قصيدته عن الحسين بالذهب الخالص ، ووضعها على الضريح ، بينما كان اديب شعبان سكرتير عدي صدام من المواضبين على زيارة المرجعية لتزويده بماء من البئر القريب من مرقد العباس ، يتبارك به عدي ويعتقد انه يبرئه من مرضه .
والآن .. يعتقد الكثير من المحللين السياسيين ، ان المرجعية التي غضت النظر عن الاحتلال ، اعطيت زخماً مقصودا من قبل الاحتلال خلال احداث النجف ، في ربيع وصيف 2004 ، لغرض تغذية الاستقطاب الطائفي ، وخاصة من خلال تنفيذ مشروع "البيت الشيعي" الذي اشرف عليه الدكتور احمد الجلبي المعروف بولائه للاحتلال ، ودخوله بغداد مع قوات الاحتلال .. ثم ، ان الجلبي الذي هندس "البيت الشيعي" رجل علماني لا علاقة له بالمراكز الدينية الشيعية او بيوتها.
وحسب المحللين ، ان الاحتلال الصق كل السيّئات والمشاريع التخريبية ، الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والسياسية، في العراق ، بـ "الحكم الشيعي" مما أساء اليه ، وقد قرب الوقت لاستبدال الثوب الطائفي الذي ادى مهمته الدموية بنجاح ساحق ، وبتلوث ساحق ، ربما لن تغسله العصور، وهذا امر طبيعي ، وجزء لا يتجزأ من اخلاقيات الامريكان وذويهم .
وبمعزل عن لا اخلاقية ولا دينية الدعم للاحتلال ، فان المرجعية نفسها تعترف بفشل حكوماتها وعجزها عن تلبية ادنى متطلبات الشعب الذي كان قد وثق بها ، فخيّبت كل آماله ، فراح يطلق تلك الاهازيج التي تعبر عن روحية المواطن العراقي ، ورفضه للاسلوب الحياتي الذي فرض عليه ، او خدع به ، من قبل ممثلي الاحتلال والمرجعية . |
|
|
|
|