رد الاعتبار لماركس كأهم شخصية في الألفية الثانية |
أيمن عبد المعطي | 08/05/2008 |
في الأول من تشرين أول أكتوبر عام 1999 اختارت البي بي سي نيوز بعد استفتاء شارك فيه عدد كبير من كافة أنحاء العالم كارل ماركس ليكون أهم شخصية في الألفية الثانية وذلك قبل أن تنتهي الألفية بثلاثة أشهر فقط . هكذا تم رد الاعتبار لماركس الذي وصفه رفيقه أنجلز بأنه أعظم مفكر في التاريخ. ولد كارل ماركس في الخامس من مايو/ آيار سنة 1818 في مدينة ترير بمقاطعة الراين السفلي بإمبراطورية بروسيا. وكان أبوه محاميًا يهوديًا ثم اعتنق البروتستانتية في سنة 1824. ولم تكن عائلة ماركس الميسورة والمثقفة عائلة ثورية. وبعد أن أتم دراسته الثانوية في مدينة ترير دخل جامعة بون ثم جامعة برلين فدرس الحقوق ثم التاريخ والفلسفة. وفي سنة 1841 أنجز دراسته بتقديم أطروحته الجامعية حول فلسفة أبيقور. أما مفاهيمه فكانت حتي ذلك الوقت ما تزال مفاهيم هيجلية - نسبة إلي الفيلسوف الألماني هيجل - مثالية. وفي برلين انضم إلي حلقة "الهيجليين اليساريين" (برونو باور وفويرباخ وغيرهم) الذين كانوا يحاولون أن يستخلصوا من فلسفة هيجل استنتاجات ثورية. وعندما تخرج ماركس من الجامعة أقام في مدينة بون حيث كان يأمل بالحصول علي منصب أستاذ في الجامعة. و لكن السياسة الرجعية التي كانت تسلكها الحكومة كانت قد أقصت، عام 1832، لودفيج فويرباخ عن منصبه كأستاذ، وعادت في سنة 1837، فرفضت من جديد السماح له بدخول الجامعة ومنعت في سنة 1841 الأستاذ الشاب برونو باور من إلقاء محاضرات في بون. هذه السياسة الرجعية اضطرت ماركس إلي العدول عن الحياة الجامعية.
الهيجلية اليسارية في ذلك الوقت كانت أفكار الهيجلية اليسارية تتقدم سريعا جدا في ألمانيا. وكان لودفيج فويرباخ قد أخذ، منذ 1837 علي الخصوص، يوجه النقد إلي علم اللاهوت و يتجه نحو المادية التي أحرزت الغلبة نهائيا عنده في سنة 1841 (في كتاب "جوهر المسيحية") و في سنة 1843 ظهر كتابه "أسس فلسفة المستقبل". لقد كتب انجلز فيما بعد حول هذين المؤلفين لفويرباخ: "كان يجب أن يكون الإنسان قد تحسس بنفسه الأثر التحرري لهذين الكتابين... فلقد أصبحنا نحن جميعا" (أي الهيجليين اليساريين بمن فيهم ماركس) "دفعة واحدة من أتباع فويرباخ". و في ذلك الوقت أسس البرجوازيون الراديكاليون في رينانيا، الذين كان لهم بعض نقاط تماس مع الهيجليين اليساريين، جريدة معارضة في مدينة كولونيا باسم "الجريدة الرينانية" (التي أخذت تصدر ابتداء من أول ديسمبر/ كانون ثان سنة 1842) و قد دعي ماركس وبرونو باور إلي العمل محريين أساسيين فيها. و في أكتوبر/ تشرين أول سنة 1842 أصبح ماركس رئيس تحريرها فانتقل من مدينة بون إلي كولونيا. وتحت إدارة ماركس أخذ اتجاه الجريدة الديمقراطي الثوري يزداد وضوحا. فعمدت الحكومة في أول الأمر إلي إخضاع الجريدة للرقابة ثم أمرت بتعطيلها تماما ابتداء من أول يناير/ كانون الثاني سنة 1843. فاضطر ماركس حينئذ للتخلي عن مركزه في تحرير الجريدة و لكن ذهاب ماركس لم ينقذ الجريدة إذ أنها منعت من الصدور في مارس/ آذار 1843. في سنة 1843 تزوج ماركس من جيني صديقة طفولته التي خطبها وهو ما يزال طالبا. كانت زوجته تنحدر من عائلة نبيلة رجعية بروسية. وكان أخو جيني الأكبر وزيرا للداخلية في بروسيا في مرحلة كانت من أشد المراحل إغراقا في الرجعية وذلك بين 1850 و 1858. وفي خريف 1843 انتقل ماركس إلي باريس ليصدر في الخارج مجلة راديكالية مع أرنولد روجه، ولكن لم يصدر من هذه المجلة المسماة "الحولية الألمانية الفرنسية" سوي العدد الأول إذ اضطرت للتوقف بسبب الخلافات مع روجه. وفي المقالات التي نشرتها هذه المجلة برز ماركس ثوريا ينادي بالنقد للمجتمع ويوجه ندائه للجماهير والطبقة العاملة. في سبتمبر/ أيلول سنة 1844 جاء فريدريك انجلز إلي باريس لقضاء بضعة أيام فيها فأصبح منذ ذلك الحين الصديق الحميم لماركس. وقد أسهم كلاهما بأشد الحماسة في الحياة المحمومة للجماعات الثورية التي كانت آنذاك في باريس (وكانت تولي هناك أهمية خاصة لمذهب برودون، وقد صفي ماركس حساب هذا المذهب تصفية قاطعة في كتابه "بؤس الفلسفة" الذي صدر عام 1847) وخاضا نضالا حادا ضد مختلف نظريات الاشتراكية البرجوازية الصغيرة و صاغا سويا نظرية وتكتيك الاشتراكية البروليتارية الثورية أو الشيوعية (الماركسية). في سنة 1845 طرد ماركس من باريس لكونه ثوريا خطرا بناء علي طلب الحكومة البروسية. فجاء إلي بروكسل و أقام فيها. وفي ربيع 1847 انتمي ماركس وانجلز إلي جمعية سرية للدعاية هي "عصبة الشيوعيين" وقاما بنصيب بارز في المؤتمر الثاني لهذه العصبة المنعقد في لندن. و في نوفمبر/ تشرين ثان 1847 وبناء علي تكليف المؤتمر وضع ماركس وانجلز "بيان الحزب الشيوعي" المشهور الذي نشر في شباط / فبراير 1848. ويعرض هذا الكتاب بوضوح ودقة عبقريين المفهوم الجديد للعالم.
العودة الي باريس و عندما انفجرت ثورة فبراير/شباط 1848 طرد ماركس من بلجيكا فعاد إلي باريس ليتركها بعد ثورة مارس/ آذار ويعود إلي ألمانيا ليقيم في مدينة كولونيا حيث صدرت من أول يونيه/ حزيران 1848 إلي 19 مايو/ آيار سنة 1849 "الجريدة الرينانية الجديدة" التي كان ماركس رئيس تحريرها. وقد أثبت مجري الأحداث الثورية في 1848-1849 كما أثبتت فيما بعد جميع الحركات البروليتارية والديمقراطية في جميع بلدان العالم صحة النظرية الجديدة علي نحو ساطع. في بادئ الأمر أقدمت الحركة المعادية للثورة علي إحالة ماركس إلي القضاء (لكن تم تبرئته في 9 فبراير/ شباط 1849) ثم نفته من ألمانيا في 16 مايو/ آيار 1849. فانتقل أولا إلي باريس حيث طرد منها أيضا بعد تظاهرة 13 يونيه/ حزيران 1849. ثم ذهب إلي لندن حيث عاش حتي آخر أيامه. إن ظروف حياة المهاجر هذه كانت مضنية إلي أقصي حد وقد عاش ماركس وعائلته تحت وطأة الفقر المدقع ولولا المساعدة المالية الدائمة المخلصة التي كان يقدمها له انجلز لاستحال علي ماركس إنجاز كتاب "رأس المال" بل لكان قد هلك حتما من البؤس. ومن جهة أخري كانت المذاهب والتيارات السائدة في الاشتراكية البرجوازية الصغيرة والاشتراكية غير البروليتارية بوجه عام تضطر ماركس إلي خوض نضال دائم لا هوادة فيه كما كانت تضطره أحيانا للرد علي مثل هذه الأطروحات. ثم جاءت مرحلة انتعاش النشاط في الحركة الديمقراطية في أواخر العقد السادس وفي العقد السابع من القرن التاسع عشر فدفعت ماركس من جديد إلي النشاط العملي. ففي 28 سبتمبر/ أيلول 1864 تأسست في لندن الأممية الأولي المشهورة (جمعية العمال العالمية). وكان ماركس روحها كما كان أيضا واضع "رسالتها" الأولي وعدد كبير من المقررات والتصريحات والبيانات. إن ماركس بجمعه شمل الحركة العمالية في مختلف البلدان و سعيه إلي توجيه شتي أشكال الاشتراكية غير البروليتارية السابقة للماركسية في طريق النشاط المشترك وكفاحه نظريات جميع هذه الشيع و المدارس الصغيرة قد صاغ تكتيكا موحدا لنضال الطبقة العاملة في مختلف البلدان. بعد سقوط كومونة باريس (1871) التي قدرها ماركس تقديرا عميقا وثوريا، وبعد الانشقاق الذي أحدثه الباكونينيون في الأممية لم يعد باستطاعة هذه الأممية أن تعيش في أوروبا وعقب مؤتمر 1872 في لاهاي انتقل المجلس العام للأممية إلي نيويورك بناء علي رأي ماركس. و هكذا أنجزت الأممية الأولي مهمتها التاريخية مفسحة المجال لمرحلة من النمو في الحركة العمالية في جميع البلدان نموا أقوي و أشد مما مضي إلي ما لا حد له، مرحلة تطور هذه الحركة من حيث الاتساع مرحلة تأليف أحزاب عمالية اشتراكية جماهيرية علي أساس شتي الدول القومية. واصل ماركس وضع الاقتصاد السياسي علي أسس جديدة و كان قد اشرف علي اتمام كتاب "رأس المال" جامعا عددا ضخما من المستندات الجديدة ولكن أقعده المرض عن إنجاز الكتاب الذي لعب رفيق حياته أنجلز دورًا مهما في استكماله. وفي الثاني من ديسمبر/ كانون ثان سنة 1881 ماتت زوجته. وفي 14 مارس/ آذار 1883 توفي ماركس. وصف أنجلز رحيل ماركس بأنه "خسارة لا تقاس ضربت كلا من الطبقة العاملة المناضلة في أوروبا وأمريكا وعلم التاريخ بوفاة هذا الرجل". وأردف "فمثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري: الحقيقة البسيطة التي تخفيها هيمنة الايديولوجيا وهي أن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوي والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الاهتمام بالسياسة والعلم والفن و الدين الخ... وبالتالي فان إنتاج الوسائل المادية الضرورية للعيش ومن ثم درجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف شعب ما أو في حقبة ما تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم والأفكار". ولكن ليس هذا كل ما في الأمر. فقد "اكتشف ماركس أيضا القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج. إن اكتشاف فائض القيمة سلط الضوء فجأة علي المشكلة محاولا حل ما عجزت عن حله جميع الأبحاث السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين". هكذا كان ماركس رجل علم. إلا أن ذلك لم يكن يمثل ولو نصف هذا الرجل. لقد كان العلم بالنسبة لماركس "حركة دينامية تاريخية وقوة ثورية. كان ماركس قبل كل شيء ثوريا. وكانت مهمته الأولي في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخري في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه وكذلك المساهمة في تحرير الطبقات الشغيلة". وكالة الانباء الاسبانية (أفي) |
|
|
|
|