ديبلوماسية كوندوليزا رايس من دون جدوى |
بقلم باتريك سيل | 09/05/2008 |
زارت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إسرائيل والاراضي الفلسطينية ما لا يقلّ عن خمس عشرة مرّة خلال الأشهر الخمسة عشر الأخيرة وهي فعليا لم تحرز أي تقدم فعملها الديبلوماسي كان ضرباً من العبث. وبعيداً عن الإسهام في بلورة حلّ للنزاع أظهرت عن غير قصد تراجع التأثير الأميركي بشكل لافت أقله تأثيرها على حليفتها إسرائيل. وبهذا لم تفلت أيضاً من الإذلال على الصعيد الشخصي. وعندما كانت تتململ، كما سبق أن فعلت خلال زياراتها السابقة، من توسيع إسرائيل نطاق مستوطناتها، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، يقابل تململها بأمر فوري لبناء وحدات سكنية إضافية - حتى قبل أن تقلع طائرتها من مطار بن غوريون. ومع ان هذا الأمر ليس أقل من صفعة مباشرة لها، فإنها عادت دائماً لتلقي المزيد منها.
من المرجح أنه لم يسبق لأي وزير خارجية أميركي أن خصّص هذا القدر من الوقت وبذل هذا القدر من الجهد لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي ولم تأت جهوده بنتيجة إلى هذا الحد. يبدو أن كوندوليزا رايس بحاجة ماسة لإحراز ذرّة تقدّم، مهما كانت أبعاده ضئيلة، كي يتمكّن الرئيس جورج بوش الابن من الإشادة به خلال زيارته الى المنطقة للمشاركة باحتفالات الذكرى الستين لتأسيس دولة إسرائيل.
وقد عبّر الرئيس الفلسطيني المعتدل محمود عباس، وبشكلٍ كئيب بعد لقائه الرئيس بوش في واشنطن عن ذلك قائلاً: «بصراحة، لم يتم تحقيق أيّ نتيجة حتى الآن». إنه يستخلص العبرة المؤلمة من تعليق آماله على الولايات المتحدة الأميركية.
ولن يقاوم أصحاب الذاكرة الطويلة مقارنة عجز كوندوليزا رايس وعدم كفاءتها بالدور الذي لعبه جيمس بيكر وزياراته المؤثرة إلى الشرق الأوسط والتي أدت الى جمع قيادات المنطقة، ومن ضمنهم سورية واسرائيل، حول مؤتمر مدريد سنة 1991، الذي ذهب اليه رئيس الوزراء الاسرائيلي بتردد ولكنه شكّل انطلاق عملية السلام منذ سبعة عشر عاما.
ما سبب عدم فاعلية كوندوليزا رايس؟ لا بدّ من إلقاء المسؤولية الكبرى على الرئيس بوش بالطبّع، الذي من الواضح أنه لم يمنحها الوسائل أو السّلطة لتتصرّف بشكلٍ حاسم، ويعزى ذلك بشكل كبير إلى إدراكه الضعيف للموضوع وإلى التأثيرات المتعددة التي تمارس عليه - من قبل نائب الرئيس ديك تشيني، وإليوت أبرامز، أحد رموز المحافظين الجدد الذي يتولى ملف الشرق الأوسط في مجلس الامن القومي، ومن مجموعات الضّغط المتعددة في واشنطن ومراكز الابحاث الملتزمة بقضية إسرائيل. لقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية وسيطاً صادقاً.
ويكمن التناقض في أن الرئيس بوش يعلن من جهة انه يريد اتفاقا إسرائيليا - فلسطينيا بحلول نهاية السنة، في حين لا يبدو مستعداً من جهة أخرى للضغط على إسرائيل بشأن أي مسألة يمكن أن تؤدّي إلى تحقيق هذا الاتفاق.
وعندما سأل أحد المراسلين كوندوليزا رايس خلال زيارتها الأخيرة ما إذا كانت ستضغط على إسرائيل بشأن مسألة المستوطنات، أجابت أن الأمر لا يتعلّق بممارسة ضغط إنما بحلّ المشاكل. ولكن، كيف تتوقع حلّ المشاكل من دون اللّجوء إلى وسيلة الضغط؟ الأمر محيّر حقاً.
وبعيدا عن أي شكل من الضغط الأميركي، استمرت إسرائيل ببناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد فشلت في إزالة أي من النقاط العسكرية غير القانونية في الضفة الغربية التي تزيد عن المئة، وفي وقف الغارات العسكرية القاتلة التي تشنها على المدن والقرى الفلسطينية، وفي إطلاق أي من المعتقلين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم عن عشرة آلاف معتقل، أو تفكيك ما يزيد عن 500 حاجز على الطرقات تجعل حياة الفلسطينيين حياةً بائسة. وفي هذه الأثناء يبقى حصار غزة قائماً من دون رحمة.
وفي الوقت نفسه، أهملت إدارة بوش بشكلٍ فاضح المسائل الأساسية في النزاع على غرار الحدود النهائية لإسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية، وإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين أو التعويض عليهم ومصير القدس. ولا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يوقّع اتفاقاً مع إسرائيل لا ينصّ على السيادة الفلسطينية على الحرم الشريف أو جبل الهيكل.
وبعيدا عن القيود التي تفرضها القوى داخل الولايات المتحدة على إدارة بوش، ثمة أسباب محددة أكثر لفشل كوندوليزا رايس.
ويكمن خطأها الفادح في تحديدها لأهداف محدودة جدا. فبدلاً من العمل من اجل تحقيق اتفاق عربي - إسرائيلي شامل - وهو اتفاق تريده المنطقة وتحتاج إليه بشكل ملح - عمدت إلى صبّ جهودها على السعي لابرام اتفاق بين شخصيتين تفتقران الى القدرة على تمثيل مجتمعيهما بشكل واسع كما لا تتمتعان ببريق سياسي واسع، وهما رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الذي يواجه مجددا هذا الأسبوع اتهامات خطيرة بالاحتيال، ومحمود عباس، الرئيس القليل الحظ للسّلطة الفلسطينية شبه المحتضرة. وهذه الأهداف المحدودة كافية للحكم على جهود رايس بالفشل.
لا داعي لأن يكون المرء خبيراً لإدراك أنه لا مكان لسلام في الشرق الأوسط يستثني طرفين كبيرين هما سورية وحركة «حماس»، التي تسيطر على قطاع غزة. إلا أن رايس تدافع عن السياسة التي، بدلاً من أن تواصل مع سورية، تقوم بمعاقبتها وتسعى إلى عزلها، في حين أنها تتعامل مع «حماس»، التي فازت في الانتخابات الفلسطينية التي جرت بصورة ديموقراطية في كانون الثاني (يناير) 2006، على أنها «منظمة إرهابية».
وبلغت كوندوليزا رايس حداً وصفت فيه رجال «حماس» بـ «المحاربين بالوكالة عن إيران» - وهو خطأ مضحك لا سيما وأن للحركة جذوراً في جماعة «الإخوان المسلمين» كما أن أهدافها فلسطينية - كما اتهمت رايس حركة «حماس» بـ «اخذ مواطني غزة رهائن» و «بناء بنية تحتية إرهابية».
وبدلاً من السعي إلى تحقيق مصالحة بين «حماس» ومحمود عباس من حركة «فتح» - وهو أمر أساسي لأي تقدّم مهمّ نحو السلام - تريدهما رايس أن يتقاتلا، معزّزة بذلك الوهم الإسرائيلي بإمكانية إخضاع «حماس» بالقوة. ويبدو أنها لا تدرك أن استخدام اللّغة التي يعتمدها قادة الأمن في إسرائيل يستبعدها كوسيط مقبول - ويشوّه مصداقية الولايات المتحدة الأميركية أمام الفلسطينيين والرأي العام العربي.
والأخطر هو فشل كوندوليزا رايس في تحديد تصوّر أميركي لما قد يكون عليه الاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني. ويقضي موقف بوش المتقاعس بأن المسؤولية تقع على الأطراف انفسهم للتوصّل إلى اتفاق. ومن الواضح أنه لا ينوي تقديم توجيهات باتجاه حلّ النزاع - ولا حتى خطوط عريضة للتسوية، على غرار ما فعله بيل كلينتون في الأسابيع الأخيرة من رئاسته. إلا أن غياب المساواة بين إسرائيل القوية والفلسطينيين المنقسمين والمغلوبين على أمرهم بلغ حداً انعدم معه أي أمل في التوصّل إلى اتفاق من دون إسهام أميركي لافت. فـ «ترك الأمر للأطراف» يؤدي الى فشل اكيد.
أما الميزة الاستثنائية لديبلوماسية كوندوليزا رايس فهي أنها لا تسعى إلى أي اتفاق أو أوتعهد من كلا الطرفين، يشمل التزامات واضحة وإطاراً زمنياً، إنما حصلت على «اتفاق مع وقف التنفيذ»، وهو أمر غير معهود حتى اليوم في سجلات عمليات إرساء السلام.
ما هو «الاتفاق مع وقف التنفيذ»؟ هو، كما يشير اسمه، اتفاق يوضع على الرف إلى حين ترى الأطراف الموقعة أن الوقت قد حان لتنفيذه - ولا شكّ أن الوقت المناسب لم يحن حتى الآن وربما لن يحين أبداً.
سوف يدخل الرئيس جورج بوش الابن التاريخ باعتباره ألحق ضرراً فادحاً بالعالم العربي والولايات المتحدة الأميركية بسبب حربه في العراق. وسيتطلب إصلاح الأضرار عقودا. وفي إحدى المرات، لاحت بارقة أمل أنه، وبمساعدة كوندي المخلصة، سيسعى إلى تبرئة نفسه من خلال لعب دور مهندس تسوية بين العرب وإسرائيل.
نطق بوش الكلمات - وذكر أن الهدف هو قيام «الدولة الفلسطينية» - إلا أنه بغياب التحرّك الحازم، فإن الكلمات وحدها لا تجدي نفعاً.
كاتب بريطاني متخصّص في شؤون الشّرق الأوسط |
|
|
|
|