المطلب الملح: ترسيخ الدولة وإصلاحها في الوقت ذاته! |
بقلم محمد جابر الانصاري | 09/05/2008 |
لست معجباً بطروحات بعض المثقفين التي تدور حول ما بعد الحداثة ومـا بعد الدولة أعني في ما يخص التطور التاريخي لمجتمعاتنا العربية عموماً. أما على الصعيد الفردي فلا شأن لي بمن يريد استعراض عضلاته الثقافية من المثقفين العرب وإبراز متابعاته للفكر الغربي . وان كنت أرى أنها ترف فكري في مجتمعات ما زالت في مراحل ما قبل الحداثة وما قبل الدولة يتهيب البعض حتى النظر في المستوى الحقيقي لتطورها.
وإذا كان ابن خلدون قد أشار في رؤيته التاريخية إلى ذلك الترف الاجتماعي المؤدي إلى خراب العمران، فإنني أرى أن هذا الترف الفكري مخرب... للعقول!
وكتجربة خاطئة علينا تأملها والاستفادة منها، فإن الغرب نظراً الى تشبعه وتشبع فكره وعلومه بنزعة العقل، لجأ بعض مثقفيه إلى اللامعقول أدباً وفكراً ونقداً. فانشغلنا بأعمال توفيق الحكيم الذي أراد الخروج من مسرحه الذهني. وفي مقاهي شارع الحمراء ببيروت كان «مثقفون» - يتصدرهم أدونيس - يبشرون بذلك اللامعقول السوريالي الذي وقع فريسة له شباب عرب كثيرون أكثرهم استعاد وعيه منه بعد التجربة المرة، لحسن الحظ. وما زال الضرر واقعاً على البقية الباقية منهم، ومن تحت إبط هذه السوريالية المفتعلة نشأت لدينا الكتابة الرديئة التي صار يتبرأ منها حتى دعاتها... (وهذه قصة أخرى ليس هنا موضعها).
المدهش أننا أمة تشق طريقها بصعوبة بالغة نحو استيعاب عقلانية العصر التي هضمتها أمم شرقية مثلنا، من هند وصين ويابان، ونهضت بها، كل حسب استيعابه الخاص لها، وتحولنا نحن إلى اللامعقول الذي يمثل تراجعاً إلى ذهنية الخرافة... وما أشدها اليوم في الزمن العربي!
فهل كان ذلك في واقع الأمر مواكبة «طليعية» لركب العصر؟
وفي ما يخص «الدولة»، فإنني اعتقد مخلصاً أن مجتمعاتنا العربية - والإسلامية معها - تمر بمرحلة «إنضاج» الدولة تاريخياً. ففي ظل الاستقرار الذي تحققه الدولة الصالحة ينضج «التراكم» الذي تحتاجه مجتمعاتنا في التنمية والتعليم والتحضر، أما في ظل التقلبات المستمرة والفوضى والاحتراب فلا شيء يمكن أن يتراكم غير التخلف. والدولة هي «مدرسة السياسة»، ونظراً الى أن تاريخنا العربي تأرجح بين الدولة واللادولة - كما أبان كاتب هذه السطور في مؤلفات سابقة - فإن التنمية السياسية للمجتمع يستحيل أن تتحقق في دولة مضطربة.
إلا أن الإشكالية، وهي ليست هيّنة، بل خطيرة، أن غالبية الناس في أيامنا أصبحت في مناخ محبط يتصور أن التغيير سيأتي بالحل وسيكون العصا السحرية لكل معضل. وهو تصور هلامي بل عدمي للتغيير الذي يمثل في الحقيقة موقفاً «ضد» شيء، لا من أجل شيء.
لا تقتصر هذه الرؤية على أوضاعنا العربية المحلية وإنما أصبحت شأناً عالمياً. يقول العالم السويسري ريتشارد ارنست، الفائز بجائزة نوبل للكيمياء منذ عام 1991: «لقد نشأت أجيال على مفهوم انه لا يجب أن تكون الدولة قوية، وأن القوة يجب أن تكون في الأفراد والشركات والنشاط الخاص... يجب أن تعطى الدولة مكانة ملائمة. اعتقد أن هذا الأمر يصبح إشكالياًً في العالم الثالث لأن الفساد الهائل فيها (مع غياب الحقوق الأساسية للمواطن) يجعل الدولة مصدراً للمشاكل أيضاً ويضعها عائقاً أمام التطور....» - «الحياة» - 22/4/2008، ص 17.
هكذا فالدولة ضرورة عملية قائمة. ومن أجل أن تبقى و «تنضج» لا بد من إصلاحها. فالسلطة المستبدة أو الفاسدة يمكن أن تكون سـبباً ومبرراً لإسقاط أية دولة، كما حدث في العراق، وقد يحدث في غيره.
واليوم تبذل الحكومة العراقية كل ما في وسعها لاستعادة مشروع الدولة التي لا يمكن أن تعيش مع وجود الميليشيات المتمردة على سلطتها. فكي تبقى الدولة لا بد أن يكون السلاح بيد مؤسستها العسكرية وحدها، وإلا اختل الأمن وتعرّض المواطنون للخطر.
ولقد ثبت من تجربة الألم والدم في العراق انه لا يمكن الاستغناء عن سلطة الدولة والأمن الذي لا بد أن تفرضه. ومن حسن الحظ فإن محظور تجزئة العراق قد تراجع إلى حد كبير. وقد اعتقد كاتب هذه السطور كما في مقالة سابقة أن تقسيم العراق - رغم تخوّف الكثيرين من خيرة المتابعين - هو بمثابة «هاجس مستحيل» - وقد ازداد هذا الهاجس استحالة اليوم. ويكفي أن نلاحظ اضطرار الجارة الشمالية تركيا إلى قصف المناطق المجاورة لها من العراق بالطائرات، بينما يشهد الجنوب حرباً داخلية من ترسبات التوجه إلى فصله وإلحاقه بالفلك الإيراني، الأمر الذي يدل على أن تقسيم الدولة العراقية بالإضافة إلى ضرره الفادح على شعب العراق فإنه يضر بمصالح دول الجوار ومستقبلها أيضاً.
وإذا كان لبنان لن يستطيع الانتظار طويلاً لاستكمال مقوماته كدولة بانتخاب رئيسه، وعلينا الإقرار بأن سورية عوّضت بوجودها عن وجود الدولة في لبنان. لكن خلال ثلاثة عقود من التجربة جاءت نتيجة الممارسات شبيهة بما أدى إلى انفصال سورية عن مصر في دولة الوحدة. أما المفارقة الكبرى فهي أن «حماس» بدأت من الدولة وإلى الدولة تعود. فقد دخلت «حماس» ساحة السياسة بالمشاركة في انتخابات ضمن إطار كيان السلطة الفلسطينية. وهي نتيجة تحققت على يد أبو عمار وأبو مازن ورفاقهما في «فتح» بنهج التفاوض الذي سمحت به موازين القوة، لكنه أفسح للشعب الفلسطيني - جزئياً - مكاناً تحت شمس المجتمع الدولي بعد أن كانت زعيمة إسرائيلية مثل غولدا مائير تقول أيام حرب أكتوبر 1973: «أين الفلسطينيون؟ إنني لا أراهم!».
وما تحقق للشعب الفلسطيني نتيجة كفاحه ينبغي عدم التفريط به وان يكن منقوصاً، فهو خطوة إلى الأمام في مسيرة تاريخية طويلة متعرجة... فهذا الشعب لم يبخل بأية تضحية، بل ناضل في سبيل استرجاع وطنه أسطورياً. ومن يريد أكثر من ذلك فعليه تغيير موازين القوة بمقوماتها الحضارية قبل كل شيء. وهذا ما اكتشفه اليوم قادة «حماس» بعد التجربة. فقبولهم بدولة محدودة وسعيهم إلى «التهدئة»، بجهود مصر، مؤشر على الواقعية، وغير مستغرب أن ترفضه إسرائيل التي يشك الكثيرون في ايمان سلطاتها بالسلام!
وفي اليمن تواجه الدولة اليمنية أكثر من خمسين ألف قطعة سلاح في أيدي القبائل التي لا بد أن تقبل بالانصهار في الدولة. إضافة إلى تمرد في الشمال مدعوم من الخارج وتململ في الجنوب لا بد أن يعالج بالحسنى لتتفرغ الدولة اليمنية إلى تعزيز وإصلاح نفسها في الوقت ذاته.
فمعضلة الدولة العربية الراهنة أنها لابد أن تعزز وترسخ نفسها وأن تصلح نفسها اصلاحاً حقيقياً في مرحلة تاريخية واحدة. ومن التجارب التاريخية للدول الأخرى - في أوروبا الغربية أو شرق آسيا - فإن ظروف العالم في حينه أتاحت لها أن تعزز مقوماتها كدولة أولاً، ولو بشيء من التعسف ثم سنحت لها فترة أخرى للتطور دستورياً وديموقراطياً، فلم تعانِ مثل هذه الدول الأوروبية أو الآسيوية الشرقية التوتر الذاتي الذي تعاني منه الدول العربية - من بين دول أخرى في العالم الإسلامي والعالم الثالث - من شأنه أن يؤدي من ناحية إلى إضعاف ترسيخ مؤسساتها - كما يجعل من عملية إصلاحها في الوقت ذاته عملية مربكة تحتاج من ناحية أخرى إلى نضج اجتماعي وانضباط شعبي وصبر مستنير واحترام للقوانين والمؤسسات وهي شروط ملحة لنجاح الديموقراطية قد لا تكون مكتملة النضج بعد.
كما أن بعض السلطات في الدولة العربية يفتقد الوعي التاريخي ولا يقدم في أدائه على إصلاح الدولة، وينحاز فقط إلى تسلطها بأسلوب خاطئ، حرصاً على مصالحه الشخصية الضيّقة بما يمس كيان الدولة ومستقبلها في الصميم، بل يمس مصير تلك السلطات ذاتها. فالسؤال الملح الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة: هل نريد تقوية دولتنا بنهج سليم لنبقى جميعاً وأجيالنا فيها... أم نريد الخروج بأكبر قدر من مصالحنا الخاصة، ومن بعدنا الطوفان؟!
إن الحل التاريخي لأية دولة استطاعت أن تنتقل من مرحلة الاستبداد السياسي إلى مرحلة الانفتاح - والبعض يسميه انفلاتاً نتيجة السلوك غير المسؤول والمتعجل لقلة من العناصر المتوترة - هو أن تمضي قدماً في سياسة الانفتاح، حيث لا تراجع عن ذلك ضمن حركة العالم والعصر، لكن بنهج حازم ومنضبط وتطبيق للقانون والنظام حماية للحرية وللديموقراطية والانفتاح، وعلى كل القوى الديموقراطية المخلصة والمؤمنة بها حقاً أن تدعم هذا النهج والانضباط دعماً للتحوّل المنشود في مؤسسة الدولة وفي بناء الحرية في الوقت ذاته. فالجانبان - الدولة والحرية - مترابطان أشد الارتباط فلا حرية في الفراغ، ولا بد لها من دولة قائمة وحاضنة وحامية.
وكما تساءل الدكتور عبدالله العروي منذ سنين: إذن، السؤال المطروح في صيغ مختلفة لكل فكر جدي هو التالي: «كيف الحرية في الدولة، والدولة بالحرية» - (مفهوم الدولة، طبعة رابعة، بيروت 1988، ص 167). ..... وتلك هي المسألة!
* كاتب ومفكّر من البحرين |
|
|
|
|