الطور الثالث في التأريخ السياسي للشرق الأوسط
بقلم الدكتور محمد عاكف
09/05/2008
الشرق الأوسط، هذه المنطقة الحيوية من العالم حيث بدأ الإنسان فيها خطواته الأولى للخروج من عالم العتمة إلى عالم الوعي، المكان الذي شهد لأول مرة كلمات تكتب على ألواح طينية في الألف الرابع قبل الميلاد. وشهد أولى الشرائع تُسن في عهد الملك السومري أورنمو في الألف الثالث قبل الميلاد ثم أخرى في عهد الملك البابلي حمورابي بعد ما يقرب من خمسة قرون.

وشهد ابتكار وصناعة أول وأبرز أداة تكنولوجية في المواصلات وهي العجلة. وشهد بعد هذه الحقب بزوغ فجر إمبراطوريات كَتبت فصولا كثيرة ومثيرة من تأريخ البشرية: الإمبراطورية الفارسية ثم الإسلامية التي تعاقب على حمل مشاعلها الراشدون ثم الأمويون وبعدهم العباسيون وآخرهم العثمانيون.


هذه المنطقة من العالم التي يكمن تحت تضاريس تربتها وقيعان مياهها ما يقرب من 60% من المخزونات النفطية في العالم، والتي تقع في ملتقى ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا، والتي يقع فيها أهم الممرات المائية التي لا تستطيع التجارة العالمية أن تجد خطوط مواصلات بديلاً عنها، كانت وما تزال محط أنظار العالم ومحط أطماع القوى العظمى منذ فجر التاريخ.


لم يستخدم أحد مصطلح الشرق الأوسط للدلالة على هذه البقعة من العالم إلا حين بدأت بريطانيا، القوة العظمى الأكثر أهمية في العالم مطلع القرن العشرين، في التفكير والتخطيط لإيجاد موقع قدم لها فيها. لذا سنركز في هذه السطور على التأريخ السياسي لهذه المنطقة منذ اكتسبت هذا المسمى نسبة إلى موقعها من مدينة غرينيتش البريطانية الواقعة إلى الجنوب من العاصمة لندن والتي اعتبرت مركزاً لإحداثيات المكان والزمن.


في هذا السياق يمكن تقسيم التأريخ السياسي لهذه المنطقة إلى ثلاثة أطوار:


بدأ الطور الأول مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية حيث قُسمت أشلاؤها إلى دول عديدة تخضع إلى نفوذ الدولتين العظميين آنذاك بريطانيا وفرنسا وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو المعروفة. ولم تجد الدول الحديثة النشوء بداً من التحالف في شتى المجالات مع هاتين الدولتين والانصياع لرغباتهما رغم أن الكثير من الوعود التي أعطيت للقيادات العربية التي شاركتهما في تقويض سلطة الإمبراطورية العثمانية لم تتحقق.


بدأ الطور الثاني مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة، حيث وجدت العديد من الدول العربية التي انبثقت عن الحرب العالمية الأولى، وأخرى تأسست في مرحلة لاحقة، بأن طموحاتها الوطنية في الاستقلال الناجز والسيادة لم تتحقق في ظل التبعية لأوروبا.


لذلك وجدت في الاتحاد السوفيتي، الذي خرج من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى، حليفاً استراتيجياً طبيعياً يمكن أن يُركن إليه في القضايا الحيوية في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. وهكذا وجدت مصر وسوريا والعراق واليمن ثم ليبيا والجزائر أنها أكثر قرباً وتناغماً مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي المتحالفة معه فانحازت إليه وأسهمت مع دول أخرى في تأسيس ما سمي حركة عدم الانحياز. ولم يتبق من دول الشرق الأوسط القديم على حاله سوى الأردن ودول الخليج.


بدأ الطور الثالث مع نهاية الحرب الباردة إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد ترك هذا الانهيار فراغاً خطيراً على المستوى العالمي وكانت منطقة الشرق الأوسط بما تتمتع به من أهمية استراتيجية أول من تأثر بهذا الزلزال وحصد ولا يزال تداعياته.


حيث بدأت الولايات المتحدة في مد نفوذها إلى هذه المنطقة لإملاء الفراغ الذي خلفه اختفاء الوجود السوفيتي عن ساحاتها السياسية. فقد وجدت الولايات المتحدة في انهيار الاتحاد السوفييتي وفقدان دوره ونفوذه في منطقة الشرق الأوسط فرصة نادرة لم تجد من الحكمة إضاعتها خاصة أن القوى التي رسمت معالم هذه المنطقة في الماضي قد أصبحت إما تابعة وذيلاً لها أو في موقف لا تجرأ فيه على الوقوف ضدها.


العالم كله قد وقف مبهوراً وهو يرى الدولة العظمى الوحيدة في العالم، الولايات المتحدة، تخطط لبرامج غير البرامج التي تبنتها ووقعت عليها وهي تبادر مع غيرها من الدول العظمى إلى وضع حجر الأساس للمنظمة العالمية الجديدة، هيئة الأمم المتحدة، كوريث لعصبة الأمم المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية.


وهكذا خططت الولايات المتحدة ورسمت دورها في صناعة شرق أوسط جديد، بالإقناع أو بالقوة، مستغلة قصر نظر بعض القيادات العربية ومغامراتها التي أسهمت في إعطاء الولايات المتحدة المبررات لحضور عسكري كثيف وساعدتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لتعزيز هذا الوجود بمبررات إضافية تحت ذريعة ما أسمته وتسميه محاربة الإرهاب تارة والقضاء على المصادر التي تهدد أمنها وأمن حلفائها تارة أخرى.


لا يساور أحداً الشك بأن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط قد نجحت في زعزعة الاستقرار النسبي فيه وخلقت أوضاعا خطيرة تزيد من تورطها العسكري وأبرزها احتلال العراق. فقد خلق هذا الاحتلال خللاً خطيراً في توازنات القوة لا أحد يستطيع إملاء الفراغ الذي نجم عنه سواها بإحدى طريقتين: أولاهما بقاء قواتها الضاربة في المنطقة لأمد طويل تحت ذريعة حماية العراق وحلفائها الآخرين، وثانيهما القيام بعمل عسكري آخر لخلق توازنات جديدة.... ولخلق مشاكل جديدة.


ما حصدته الولايات المتحدة حتى الآن في المنطقة لم يكن في صالحها، وليس من المتوقع أن يكون غير ذلك في المستقبل المنظور. فالسياسة الأميركية قد ساعدت على تعزيز النفوذ السياسي للقوى المعادية لها في دول المنطقة لأسباب عديدة منها:

1. الولايات المتحدة لم تقدم لشعوب المنطقة ما يساعد على نسيان ماضي علاقاتها مع الطغاة في المنطقة.

2. لم تأت الولايات المتحدة إلى المنطقة حاملة لغصن الزيتون بل عبر احتلال بالقوة العسكرية الغاشمة.

3. لم تقدم الولايات المتحدة حلولاً حقيقية لمشاكل المنطقة المزمنة وهي القادرة على ذلك

كاتب عراقي


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima