حول قانون الخدمة الجامعية الجديد في العراق
بقلم محمد الربيعي
10/05/2008
صادق مجلس الرئاسة في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/4/2008 علي قانون الخدمة الجامعية وجاء في الأسباب الموجبة لإصدار القانون انه لأجل الارتقاء بمستوي الكادر التدريسي والأكاديمي لتطوير العمل الجامعي علي نحو ينسجم مع المعطيات والمتغيرات الإقليمية في مضمار التعليم العالي والبحث العلمي ولتحصين الملاك التدريسي ورفع مستواه التدريسي والمعيشي والحفاظ عليه.
وبالرغم من أهمية صدور قانون جديد لتنظيم الخدمة الجامعية في العراق، إلا إنه من الغريب أن يصدر هذا القانون قبل صدور قانون لتنظيم الجامعات، وهو الذي يتعلق بهيكلية الجامعات.
وقبل إعادة النظر في قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، خصوصا وأن الأسباب الموجبة لقانون الخدمة الجامعية تؤكد أن تشريعه هو لغرض وضع استراتيجية جديدة وشاملة للتعليم العالي في العراق. فكيف يوضع قانون تحدد فيه مراتب الوزارة والجامعات وهيئات التدريس وواجبات المسؤولين والمدرسين قبل وضع الاستراتيجية؟
المستغرب أيضاً أن القانون شُّرِعَ من دون إجراء استشارات كافية أو عرضه علي خبراء أو متخصصين من خارج الوزارة. إذ كان من الممكن مناقشته والاستفادة من آراء الخبراء العراقيين وغيرهم المتواجدين في أربيل مثلاً خلال انعقاد المؤتمر العالمي للتعليم العالي في الفترة من 11 إلي 13 كانون الأول 2007 ، علما أن المتعارف عليه في الدول المتطورة أن يتم عرض مشاريع القوانين مثل هذه علي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات ذات العلاقة وتناقش علي مختلف المستويات من الأقسام العلمية والكليات ويشارك فيها أعضاء المجالس الأكاديمية والإدارية للجامعات. نحن نسمع كثيرا عن الشفافية في العمل الأكاديمي والجامعي وعن التحولات الديمقراطية والحضارية في العراق ونلمسها عن كثب، إلا أنها ومع الأسف الشديد، لم تنجز، وتتكرس الممارسة من خلال عملية إعداد وتشريع هذا القانون.
هذا لا يعني ان القانون يفتقد إلي نقاط إيجابية وتعديلات في صالح الأستاذ الجامعي وعملية التعليم العالي وفي سبيل خدمة المجتمع والاتقاء به حضاريا، فكل ما يرفع المستوي المعيشي للأستاذ الجامعي يساهم في رقي الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية، ويزود البلاد بالمختصين والفنيين والخبراء ويصنع مستقبل الوطن. فمن الأمور الإيجابية في القانون الجديد هو منح رئيس الجامعة صلاحية تعيين أو إعادة تعيين من تتوفر فيه شروط التعيين في الخدمة الجامعية، بينما كانت هذه وكثير من الصلاحيات الأخري تعود للوزير أو من يخوله. وقد جاءت هذه التغيرات في ضوء الدعوة الي استقلالية الجامعة ولضرورة المرونة التنظيمية والهيكلية لمختلف مؤسساتها وكنتيجة لإبراز مساوئ هيمنة الإدارة المركزية في الوقت الذي كان يعاني التنظيم الجامعي من الخلل والضعف فكان لابد من إعادة النظر بأسلوب التنظيم اللامتوازن في طريقة توزيع المسؤوليات وممارسة السلطات لصالح الإدارة المركزية .
إن إحالة العديد من صلاحيات الوزارة والوزير الي الجامعة ورئيسها سيساعد في تقليل الإجراءات البيروقراطية، وفي تمتع الجامعات العراقية باستقلالية مؤسساتية، وأكاديمية ومرونة تنظيمية اكثر، ولكن ذلك ليس بالضرورة أن يساعدها علي التخلص من مشكلاتها التي تعيق تطورها وتكبل حركتها وتمنعها من أداء رسالتها بحيث تساير الجامعات الأخري بسبب عدم توفر الاستقلالية المالية. وكما ذكرت في مقالة سابقة ستكون ناقصة " إذا لم يرافقها تطوير نوعي في إدارة الجامعات، بمعني إن استقلالية الجامعة ستكون وبالاً علي الجامعة إذا لم يتوفر لها جهاز إداري كفء يتولي قيادتها له من الخبرة والمعرفة بأساليب الإدارة العلمية للجامعات من وضع الخطط الاستراتيجية للتدريس والبحوث والأنظمة الأكاديمية والهياكل واستغلال القابليات والكفاءات، والسيطرة النوعية وتحسينها، والإدارة المالية الحسنة، ومعالجة المشاكل وسن القوانين والأنظمة المتعلقة بالعمل الأكاديمي داخل الجامعة، وطرق التقييم الأكاديمي، وفرض الرقابة علي ممارسات أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب، ورسم السياسات حول دور الجامعة في مجتمعها الخاص والعام ".
ومن التغيرات الأخري التي شملها القانون الجديد هو إلغاء العقوبات الإنضباطية العديدة التي كان يزخر بها القانون السابق، وعلي سبيل المثال لا الحصر، معاقبة موظف الخدمة الجامـعية بإحدي العقوبات الانضباطية ، أو بإحالته إلي لجنة الانضباط، إذا ظهر انه ارتكب ما يخل بواجبات وظيفته العلمية أو التربوية أو الإدارية ، أو بما يجب ان يتحلي به موظف الخدمة الجامعية من صفات خلقية، وهو ما يمكن أن يعرض الأستاذ الجامعي إلي الفصل أو الطعن بعمله العلمي وبشخصيته من دون حق. ومن جهة أخري فإن القانون الجديد لم ينتبه إلي أن سلب الجامعات من عناصرها الكفوءة للعمل في الوزارة يؤثر سلبا علي العمل الأكاديمي من تدريس وبحوث، حيث اعطي الحق كما هو في القانون السابق للوزير في تعيين أساتذة الجامعات في مركز الوزارة من دون جعل ذلك مشروطا بموافقة الجامعة ومن دون التأكيد علي أن يكون هذا التعيين مقصورا علي الكفاءات المتخصصة في التسيير الإداري والتربوي والمالي.

القانون الجديد
وكما هو عليه في القانون السابق، أكد القانون الجديد وأسهب في التأكيد علي مهام الأستاذ الجامعي فكانت كثيرة ومفصلة من "رعاية الطلبة فكريا وتربويا، بما يحقق مصلحة الوطن والأمة" إلي "أداء الواجبات الإدارية التي تكلفه الوزارة بها أو المؤسسة التعليمية التي يعمل فيها". فبدلا من أن تحدد باختصار وظائف الأستاذ في العمل التدريسي والبحثي والإداري وترك تحديد هذه المهمات للقسم والكلية والجامعة علي ضوء احتياجاتها وهو ما جرت عليه العادة في كل جامعات العالم المتطور، يرهق القانون الأستاذ الجامعي بكثير من المهمات والنشاطات التي ليس من الضروري تأديتها أو تعتبر جزءا لا يتجزأ من عمله العلمي والأكاديمي، فلا حاجة لذكرها، منها ضرورة الإسهام في المجالس واللجان الدائمة المؤقتة داخل الوزارة وخارجها.
نحن نعرف مدي اعتكاف علماء العالم عن المشاركة في الأعمال الإدارية، لانشغالهم واهتمامهم في البحث والتدريس. فلماذا يصبح الإسهام في لجان الوزارة واجبا بالرغم من أن واجب الوزارة والجامعة هو تشجيع الأستاذ للانشغال في عمله العلمي، ولماذا يجب عليه التواجد في مؤسسته بما لا يقل عن 30 ساعة أسبوعيا؟ هل إن تحديد فترة التواجد ضرورية لعمل الأستاذ الجامعي؟ إن تواجد الاستاذ الجامعي في الجامعة يعتمد علي نوعية وحجم عمله فهو ليس كالموظف الإداري، واهتمامه العلمي يؤدي به إلي قضاء كل وقته في التدريس والبحث وواجباته المناطة إليه من قبل القسم والجامعة. إن عمل الأستاذ العلمي وإبداعه يحتاج إلي مرونة كبيرة، لذا فأن التفريق بين الأستاذ المجد والأستاذ المتقاعس يتم علي أسس ومعايير أخري لقياس الإنتاجية والكفاءة، تعتمد علي مبدأ المنافسة داخل الجامعة الواحدة وبين الجامعات المختلفة، وعلي درجة طموحات الجامعة لتحقيق الجودة الشاملة وتبوأ مستوي عالمي في سلم الجامعات العالمية، لا علي عدد الساعات التي يتواجد فيها الأستاذ في الجامعة.
وبالرغم من أن المادة الثالثة تبدو في مضمونها أسلوبا لتحسين النوعية ورفع الكفاءة التعليمية والتدريبية و"الجودة" وتشجيعا للأستاذ للمساهمة في تطوير المؤسسة التربوية التي يعمل بها وذلك بالطلب من الأستاذ بتقديم تقرير عن نشاطه التدريسي، وما يقترحه من توصيات لتطوير المناهج والمؤسسة التعليمية التي يعمل فيها، إلا أنها سترهق الأستاذ لأنها تطلب منه في نهاية كل فصل دراسي. وهنا أيضا يبدو الاختلاف واضحا عما هو متعارف عليه في الجامعات المتطورة، فهي تطلب بعض او مثل هذه التقارير حسب الحاجة وفي فترات متباعدة وليس من منطلق مراقبة عمل الأستاذ ومحاسبته. كل ما ارجوه أن تكون هذه التقارير مقتصرة علي ما يفيد الجامعة لرفع الكفاءة التربوية.
ويبدو أن مشرعي القانون مصرون علي بقاء درجة مساعد المدرس ومن حملة الماجستير ضمن الهيئة التدريسية يقوم بممارسة التدريس الجامعي والبحث العلمي والاستشارة العلمية والفنية. هذا علما إن مساعد المدرس لا يحمل شهادة الدكتوراه وبالمقارنة بجامعات الدول المتطورة فهو بمستوي طالب الدكتوراه أو المعيد. وحسب القانون الجديد يحق لحامل شهادة الماجستير إكمال دراسته للحصول علي شهادة الدكتوراه مع استمراره في مهامه الوظيفية، ويعد متفرغا جزئيا لإكمال دراسته وتخفض ساعات عمله بما يساعده علي الاستمرار بالدراسة، مع احتفاظه بجميع حقوقه وامتيازاته خلال مدة الدراسة بما فيها مخصصات التفرغ الجامعي. وبالرغم مما يظهر من تشجيع لحملة الماجستير علي الاستمرار في الدراسة للحصول علي الدكتوراه، فأن وجودهم ضمن الهيئة التدريسية لا يساعد في رفع مستوي الكفاءة التعليمية والبحثية للقسم العلمي، بل يكرس بقاء من لا يحمل الدكتوراة كتدريسين وباحثين يشاركون في صنع القرار الأكاديمي. كما إن "التفرغ الجزئي" لا يساعد الطالب في التفرغ الضروري لدراسته او المشاركة الأكاديمية الفاعلة وتعطيه دورا مزدوجا متناقضا. إذ كيف يمكن أن يحصل حامل درجة الماجستير علي مثل هذه الامتيازات بينما نجد في الجامعات المتطورة العديد من حملة الدكتوراه يعملون كمساعدي باحثين postdoctoral researchers وبالرغم من مشاركتهم في التدريس أحيانا وفي الإشراف علي طلبة الدراسات العليا لا يعتبرون جزءا من الهيئة التدريسية. لذا نعتقد أنه فمن الأفضل للجامعات العراقية أن تضع جدولا زمنيا للتخلص من حملة الماجستير ضمن هيئاتها التدريسية وذلك بتوفير فرص الدراسات العليا في الخارج أو الداخل، وفيما عدا ذلك ينقلون إلي وظائف أخري غير أكاديمية. من المعروف انه لا يمكن أن يكون عضوا في الهيثة التدريسية من لا يستطيع تدريس طلبة الدراسات العليا أو الإشراف عليهم أو من لا يستطيع إجراء البحث العلمي بصورة مستقلة أو إدارة أعماله. ومن ضمن المفارقات في هذا القانون هو تمديد فترة الخدمة الجامعية إلي عمر الـ 70 سنة، بالرغم من أن فترة الخدمة الجامعية لغرض التقاعد لا تتعدي 25 عاما، وهذه اقصر خدمة لغرض التقاعد وأطول فترة للعمل في العالم، فما هو السبب يا تري؟ يبدو لي أن الخدمة الجامعية لا تبدأ إلا عند سن الأربعين أو بعدها!
وبالرغم من أن مخصصات الخدمة الجامعية حددت بالنسب المئوية، فإن مخصصات رئاسة ومعاوني رئاسة الأقسام خصصت بالأرقام المطلقة من الدنانير، علما بأن سعر الدينار يتغير حسب السوق. فلماذا حددت هذه المخصصات ولم تحدد الرواتب؟ ولماذا تم تأكيد فترة للعطلة السنوية وفترة أخري للإجازة الاعتيادية؟ ولماذا أعطي المشرِّع حق التفرغ العلمي لسنة واحدة لكل سنتين من الخدمة الفعلية؟ هل هذا يساعد علي استمرارية العملية التدريسية والبحثية؟ كيف يمكن ضمان الإشراف المستمر علي طلبة الدراسات العليا واستمرارية البحث العلمي عندما يحق للأستاذ أن يترك عمله لسنة كاملة بعد سنتين فقط من العمل؟ ولماذا تمنح مخصصات خدمة جامعية شهرية بنسبة 100% من الراتب الشهري لكل موظف في الخدمة الجامعية بدلا من منحه راتبا مضاعفا؟ فالمخصصات بطبيعتها تمنح للبعض وليس للكل ولأسباب ليست عامة، فما الذي حمل المشرِّع علي منح مخصصات أوتوماتيكية للجميع؟ هل غرض ذلك هو منح راتب تقاعدي بنصف الراتب الحقيقي علي عكس ما يذكره القانون؟ وأخيرا، لابد من القول انه بالرغم ما يعترض التطوير والتغيير في جامعاتنا من صعوبات ورواسب الازدواجية أو رسوخ الممارسات النمطية، إلا إن عملية التطوير وتغيير القوانين غدت حتمية لا مناص منها، ونتطلع من خلال هذه العملية لمستقبل باهر للتعليم العالي والبحث العلمي في العراق.


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima