مستعمرات ينبغي تفكيكها |
بقلم عبد المنعم الاعسم | 12/05/2008 |
في كل مرفق حكومي تدخله في مدينة بغداد حتى اكثرها عراقة في الانضباط الاداري تجد بصمة ولو باهتة للحبربشية وقل للمواقع والامتيازات على اساس القرابة او الواسطةاو من ضمن ظلال ما يسميه علي الوردي باخلاق القرية فكيف اذا كنت قد راجعت مرفقا حكوميا اجتُثّ جميع موظفيـه الســـابقين او آخر اُنشئ حديثا على باطون المحاصصة؟. قال لي مستشار قانوني اثق في حرصه وموضوعيته: “انهم يتذرعون بالاسباب الامنية ليحولوا دوائـــــــــرهـــم الى مستعمرات للعائلة، بل ان بعضـــهـــم يصدر تعليمات مخالفة للدستور او يسعى الى سن “ذيول” للقوانين تضعه خارج الرقابة وتُسهّل له تسريب طابور الموالين من الاقارب الى تلك المستعمرات.. بعضهم نجح وبعضهم الاخر اخفق، لكنه لايزال يحاول..”. على ان محاولات تكييف التشريعات وقواعد الوظيفة و”سن ذيول” للقوانين لكي تتطابق مع موجبات تحشيد الاتباع ليست براءة اختراع لاصحابنا الفاسدين الجدد، بل هي عاهة ادارية قديمة، كانت قد قادت الشاعر الجواهري قبل ما يزيد على ثلاثين سنة، يوم فضحها، الى السجن شهرا، إذْ قال آنذاك: تُســن ذيولٌ للقـوانـين يُبتغى بها جلب قوم للكراسي الشواغر ولم يبق معنى للمناصب عندنا سوى انها ملك القريب المصاهر وكتبتُ قبل اربع سنوات القول: “لو ان ثلاثة ارباع ما اسمعه من وقائع استشراء المحسوبية والمنسوبية في مفاصل الدولة الجديدة هو بمثابة شائعات فان الربع الباقي وحده، بما يتكشف عن فضائح واستهتار، يمكن ان يضرب راس الرضيع بالشيب.. ولو نشرتُ كل ما اسمعه من تلك الوقائع لقضيت بقية عمري في السجن، ذلك لان اصحاب تلك المفاسد من موظفين كبار ووكلاء وسماسرة يعرفون طريق القضاء، أفضل مني، وهناك سيصرخون بصوت كورالي واحد: قدم ادلتك او ادفع ضريبة التشهير بنا”.. والان بعد اربع سنوات، ازدادت مستعمرات المحسوبية عددا ومساحة، وتسلحت بالدواعي الامنية وبذيول القوانين، اكثر فاكثر، لكن الاكثر خسارة يتمثل في ان عديدا من الاصوات التي اخذت عهدا على خوض المعركة النبيلة حتى نهايتها ضد هذا الفساد الممنهج قد سقط مضرجا بدمائه، والبعض الاخر اعيته المواجهة، فاراح واستراح، فيما صار للفساد محافل مهيبة وصالات فارهة وخطباء يجيدون الاستهلال بالبسملة او بالعبارات المترجمة، كما صار له (وهذا هو المهم) اعداء شجعان اختاروا تطوير اشكال المواجهة عند كل مناسبة وفي كل محفل، حال برنارد شو الذي دعي مرة الى الحديث في اجتماع يبحث احوال الشعوب في ظل الاستعمار البريطاني فوقف على المنصة وأطبق فمه، ولم ينبس ببنت شفة، فصفق له الحاضرون معتبرين ذلك بمثابة أمضى احتجاج على سياسة بلاده الاستعمارية، وحملوه على اكتافهم الى الشارع ليتركوا المتحدثين يخاطبون قاعة فارهة خالية وكراسي وثيرة صلعاء. ـــــــــــــــــــــ .. وكلام مفيد ــــــــــــــــــــ “اذا اردنا أن تتحول أحلامنا إلى حقيقة فان أول ما علينا فعله هو أن نستيقظ”.
حكمة يابانية |
|
|
|
|