المنابع المعرفية للدكتور مصطفى جواد
بقلم نبيل العطية
13/05/2008
في اثناء تحقيقي كتاب أدب النديم لأبي الفتح محمود بن الحسين الرملي المعروف بكشاجم احتجت الى التعريف بإعلام وردت في المتن المخطوط لا يتيسر معظمها في مكتبتي الشخصية. كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي في منتصفها تحديداً. اما المكان فكان مكتبة المتحف الوطني.
كان كتاب "المعارف" لابن قتيبة الدينوري احد المصادر المهمة التي كان ينبغي مراجعتها لكونه زاخراً بالإعلام الواردة في النص المراد تحقيقه وعندما قدمته اليّّ المناوله، فوجئت انه من كتب العلامة الدكتور مصطفى جواد المهداة الى مكتبة المتحف ليفيد منها محبو البحث والإطلاع.

والمعارف كتاب تراثي ضخم، حققه الدكتور ثروت عكاشة، وطبع في القاهرة سنة 1960، بيد ان ما استرعى انتباهي على نحوٍ واضح، هو ان مصطفى جواد قرأ المعارف من ألفه الى يائه واضعاً خطاً بلون حبري احمر تحت كل سطر منه، كما انه ناقش المؤلف، ابن قتيبة في المتن، مخطئاً بعض معلوماته، فيما علق على الحواشي وهي من "صنع المحقق" – كما معروف – مناقشاً، ومؤاخذاً، وناقداً تلك إذن طريقة مصطفى جواد في "الدراسة" ولا أقول "القراءة"، لأنه كان "يحرث النص" ويسبر غوره، غير مقتنع بالقراءة العابرة، التي لم تكن في منظوره نافعة بالقدر المراد. يغلب على ظني – في هذا – انه تأثر بأستاذه الأب انستاس ماري الكرملي الذي كان "يقرا" المعجمات خاصةً، كما تقرا لروايات "من الألف الى الياء" فقد قرأ معجم لسان العرب لابن منظور ثماني مرات، وقرا تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي ثلاث عشرة مرة، وقرأ القاموس المحيط للفيروز ابادي، ومحيط المحيط للبستاني عدة مرات، بيد انه لم يؤثر عنه انه كان يضع خطوطاً حمراً تحت السطور اكتفاءً بالقراءة.

استبطان مصطفى جواد النص اللغوي استبطاناً بارعاً نحم عنه غزارة في المعرفة، ودقة في التحليل، وسداد في الاستنتاج، لذلك لا عجب ان يؤلف – فيما أعلمنا الببلوغرافيون- ثلاثين كتاباً في حقل اللغة، والنقد اللغوي والتاريخ وخطط بغداد وان يحقق احد عشر كتاباً فيما يُماثلها من الموضوعات، كما ترجم خمسة كتب جلها عن الفرنسية. أما مقالاته ودراساته المنشورة في الصحف، والدوريات، فقد زادت على خمس وعشرين ومئة. طبع منها في كتابٍ صدر الجزء الاول منه سنة 1975 لمناسبة الذكرى السادسة لوفاته بعنوان في "التراث العربي" بتحقيق المرحوم عبد الحميد العلوجي، ومحمد جميل شلش، اما الثاني فصدر ببغداد سنة 1979 بتحقيقهما أيضاً، وهو يتضمن عددا ً من الدراسات الأدبية، فيما اخرج الدكتور محمد عبد المطلب البكاء جانباً من مباحثه اللغوية خاصةً عاداً اياه الجزء الثالث من الكتاب. وقد سماه "في التراث اللغوي".هذا غير ما خلف من مخطوطاتٍ جليلة الفائدة، نفيسة القيمة ، وخاصة كتابه المخطوط "أصول التاريخ والأدب" الذي يقع في خمسين جزءاً.

لقد كان مصطفى جواد يؤمن ان العربية "من اللغات المنطوية على عناصر الحياة الكامنة فيها قوة النماء والإثراء والانتشار والازدهار". لذلك وظف اقصى طاقاته فيما يرفع شأنها ويعزز مكانتها تحقيقاً، وتأليفاً، وترجمة، وذوداً عن الصحيح، ونبذاً لسواه، وتشجيعاً على أتباع الأسلم، وتوطيداً للأفصح. وكان محصلة هذا، اشتهاره بحب العلم وشغفه بالعربية وسعة الاطلاع على التاريخ الاسلامي وخاصة الدولة العباسية في أواخر عهدها. أما صيته في التصحيح اللغوي، فقد ذاع في كل مكان. والدليل على ذلك كتابه القيم "قل ولا تقل" الذي يعد من أفضل ثمرات حركة التصحيح اللغوي عراقياً وعربياً على حد سواء.

ولعل من طرائف ما يذكره أستاذي الدكتور صفاء خلوصي في مقدمته لكتاب "مصطفى جواد فيلسوف اللغة العربية وخططي بغداد" من انه كان "يصحح فصول (رسالة طالب دكتوراه) وأنبوب الأوكسجين في انفه، لما كان يشعر به من ضيق في صدره أحيانا، وكانت زوجه تعترض عليه – حرصاً – فيقول لها "إننا بهذا نعيش" مشيراً الى اوراق الرسالة وشرحها". وهو نص يذكرني بما قيل عن ام الجاحظ حين شكت خواء البيت من أي طعام في الوقت الذي انشغل فيه الجاحظ بكتبه واوراقه قائلةً: اتنفعك هذه؟ ومع اختلاف عناصر هذه الحادثة، زمناً، وبيئة، واشخاصاً، الا انها تلتقي في "المغزى" وتتحد في "الدلالة". وبهذا يتضح سمو المردود العلمي، وتوطد مكانة حامله في كل مكان، وزمان.

سأحاول في هذا المقال رصد أهم منابع مصطفى جواد المعرفية، وان ابين – بوجازةٍ تامةٍ – كيفية بنائهِ صَرْحِه العلميّ:

1- الوسط الاجتماعي:

ادى الوسط الاجتماعي الذي عاش فيه مصطفى جواد دوراً في صنع وخلق المناخ الملائم لبروز موهبته، ونماء حسه اللغوي. وقد حفظ في بداية طفولته سوراً من القرآن الكريم وعدداً من الاحاديث النبوية. وكان والده ياخذه الى مجالس العزاء، ليصغي الى ملحمة استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)، فيسمع ما يقرا فيها من مراث، ومدائح لآل البيت لأكابر الشعراء: كالشريف الرضي، ودعبل الخزاعي، والسيد الحميري، ومهيار الديلمي. لذكائه، وقوة ذاكرته، فقد حفظ كثيراً من هذه الإشعار. يرى الدكتور محمد عبد المطلب البكاء: "ان البيئة التي عاش فيها مصطفى جواد كانت غنية بالأدب والشعر، فرسمت أثراً واضحاً في تحديد مساره الثقافي والفكري فيما بعد" و "يضاف إلى ذلك اثر رعاية أخيه الكبير (كاظم) بعد وفاة أبيه".وهكذا رسمت هذه البيئة بمزيجها الديني والأدبي، والأسري لوحة فريدة لملامح شخصية ساطعة ساهمت فيما بعد بإغناء اللغة، وتطوير البحث، ونقد المعجم محتلة المكان الرائد في حقل التصحيح اللغوي. هذا غير ما أعطت في مضمار التاريخ، والخطط، والتراث الشعبي.

2- أساتيذه:

يوفر الأساتذة الذين يرعون تلاميذهم الموهوبين تربة صالحة للنجاح، والتقدم. لقد دعت الموهبة المبكرة لمصطفى جواد وأساتيذه لزيادة عنايتهم به. اتضح ذلك على نحو خاص في المدرسة الجعفرية الابتدائية حين وجدوه يحفظ كثيراً من النصوص التي كانت تفوق ما لدى أترابه كمية، ونوعاً. فيما ظهر عنده ميل مبكر إلى تعلم الفرنسية بتأثير وتشجيع أستاذه رؤوف القطان. هذا النماء في الحفظ، والتذوق والميل الى تعلم الفرنسية شكل صورة واضحة لموهبة تكاد تتفتح قبل انضمامه إلى دار المعلمين الابتدائية. وفي هذه الدار التقى بشخصية علمية كبيرة هي شخصية أستاذة العلامة طه الراوي الذي كانت له اليد الطولى في توجيهه، وصقل إمكاناته، فيما كان لأستاذه احمد الراوي فضل صقل موهبته الشعرية، وتصحيح بعض ما كان يقع فيه من اخطاء. هذا الى جانب مجموعة أخرى كالاستاذ سعيد فهيم، واميل ضومط اللبناني، وسيد محمد خليل، وغيرهم.

وهكذا تطورت شخصيته العلمية ، بما اتيح لها من احتضان، وتغذية ثقافية، وخطط بصورة مبكرة فكان هذا "المنبع الثقافي" احد روافد "التشكل العلمي" لهذه الشخصية الفذة.

3- مجالس العلماء

ومجالس العلماء أساس مهم في التثقيف، والتوسع المعرفي.

كان لقاء مصطفى جواد بأستاذه الأب انستاس ماري الكرملي نقلة ثقافية نوعية بما أتاحه له من فرص الاطلاع على محتويات مكتبته النفيسة. فكان فيما قيل: "من اشد الملازمين لمجلس الكرملي، وأكثرهم انكباباً على مكتبته، وإفادة من خبرته، وعلمه، وفضله"، كما أتاحت له هذه التلمذة النشر في مجلته المسماة "لغة العرب". ولم يقتصر جواد على ما كان في مكتبة شيخه، بل كان يعززها بالاطلاع على أمهات الكتب، واحاسن المؤلفات. فيما كان التقاؤه بشخصيات علمية كالميرزا محمد القزويني، واستفادته من مكتبته العامرة، ودأبه المتواصل على مراجعة المكتبة الوطنية في السوربون في وقت لاحق، ومصاحبته لعشرات الباحثين، والمستشرقين من رواد هذه المكتبة عوامل دافعة إلى تعميق علمه، وزيادة تحصيله المعرفي.

4- الاجتهاد الشخصي:

عدّ الدكتور محمد عبد المطلب البكاء الاجتهاد الشخصي واحداً من مصادر ثقافة مصطفى جواد، اذ لم يقف عند حدود الحفظ، والمنقولات النصية دون النقد، والفحص، والتمحيص، وأنا أخالفه في هذا، لأني اعتقد أن الاجتهاد مرحلة لاحقة للتكون الثقافي، لا جزءاً منه.

ان الاجتهاد "ثمرة التبحر"، وهو صدى عملي للاطلاع العميق على العلوم اللغوية ، وربما يكفي لان اضرب مثلاً واحداً على ما زخر به كتاب "قل ولا تقل" من صور الاجتهاد اللغوي، الدالة على تمكن، وتفقه كبيرين. وهي (أي صور الاجتهاد) قادته الى النقد على أسلافه، ومعاصريه من اللغويين على حد سواء، بل ان الاستاذ جميل الجبوري ذهب الى انه "استظهر" حتى على شيخه الكرملي، على الرغم من انه اغترف من بحر علمه، وفيض معرفته. وسواء اصح ما ذهب إليه الجبوري أم لم يصح، ففي هذا دلالة وكيدة على تبقر في العلم، وامتلاك لناصيته.

لقد كان مصطفى جواد موهبة فذة، مركبة، متعددة الجوانب. وقد بقي قارئاً حتى آخر لحظة من حياته، فلم يقعده المرض عن التزود من المعرفة كما اسلفت.

تلك لمحة عاجلة عن المنابع التي كونت ثقافة مصطفى جواد، تلك الشخصية التي بارحتنا عام 1969، ولم يتسن لاحد – على وفرة الأسماء- ان يشغل مكانته في عالم البحث والتأليف والنقد اللغوي، والتاريخ العباسي.

ولهذا، وبهذا استحق- بحق وجدارة- لقب ابي العلماء.

المراجع

1- الدكتور مصطفى جواد- حياته- آثاره. تأليف نافع عبد الجبار علوان. بغداد مطبعة دار التضامن

2- في التراث العربي. تأليف: د.مصطفى جواد.تقديم وتنصيص: عبد الحميد العلوجي، ومحمد جميل شلش. بغداد- 1975

3- في التراث اللغوي. تأليف د. مصطفى جواد. تحقيق: د. محمد عبد المطلب البكاء بغداد- 1998.

4- في ذكرى الاب الكرملي "الراهب العلامة" تأليف: سالم الآلوسي. بغداد- 1970

5- قل ولا تقل. تأليف: د. مصطفى جواد. تقديم: عبد المطلب صالح. ط1/1988 بغداد

6- المباحث اللغوية في العراق ومشكلة العربية العصرية. تأليف د. مصطفى جواد ط2/ بغداد- 1965

7- مشاعل ورايات عراقية. تأليف: جميل الجبوري بغداد ط1/2006

8- مصطفى جواد فيلسوف اللغة العربية وخططي بغداد الفرد. تأليف. وحيد الدين بهاء الدين. بغداد ط1/1971.

9- مصطفى جواد وجهوده اللغوية. تأليف: د. محمد عبد المطلب البكاء بغداد-1982


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima