نبوءة ليست بريئة |
بقلم عبد المنعم الاعسم | 13/05/2008 |
من النادر ان يتطابق معنى الاسم مع صاحبه فليس بالضرورة ان يكون صاحب اسم كريم كريما وجواد سخيا و مرعب مخيفا ومحمود محمودا وغزال غزالا اما صاحبنا علي غراب الذي كتب في الاسبوع العربي المصرية عن قرب قيام دولة العراق الاسلامية فانه كان وفيا لدلالة الاسم الذي يحمله في الاقل لما يتضمنه من نعيق وما يحمله من دلالات الشؤم. والغريب ان صاحب هذه النبوءة لم يشأ ان يعترف بأن قيام دولة طاليبان في العراق لن يتم من دون بركة دم "تزهق فيها ارواح الالوف من الابرياء" لكنه (وهنا المهم) يعد ذلك ضروريا لتحقيق هذا الهدف، ثم يقدم رؤيا تفصح عن غل دفين يضمره الكاتب حيال العراق والعراقيين، فيما يعترف في نهاية الامر بأن مداد هذا المشروع مستعار من خارج الارادة العراقية، وطبعا، لم يكلف النفس في البحث عن الحقائق التاريخية والسياسية التي تحول دون قيام مثل هذه الدولة في العراق. وباختصار، فقد كان استطلاع غراب بمثابة ترديد لهلوسة عفى عليها الزمن، عدا عن انها رسالة غراب بالمعنى الذي اورده ابن قتيبة في (الامامة والسياسة) بالقول ان العراقيين "لايسافرون ولايتزوجون" إذا ما نعق غراب على مسامعهم، وما ذكره التوحيدي قائلا:"إذا صاح الغراب قال الناس: خير، خير، وانت شر طير" وحيث ولول عنترة متذمرا:
ظعـن الذيـن فراقهــم اتوقــع وجرى ببيتهم الغراب الابقع
اما قصة سيدنا نوح مع الغراب فهي الاكثر مدعاة للتأمل، فقد اضطر، حين بقى في اللجة أياما، الى ان يستعين بالغراب ليخبر عنه، لكن الاخير "وقع على جيفة ولم يرجع" ويقول المثل تأسيساً على ذلك لايرجع فلان حتى يرجع غراب نوح". وليس ثمة اكثر جبنا من الغراب.. تقول حكاية عراقية انه يوصي ابنه بالقول:"اهرب حين ترى شخصا ينحني، فربما كان يبحث عن حجر يقذفه عليك" وفي التراث، ليس ثمة أحذر من غراب، وعندهم ان فرط الحذر من فرط الذعر. ولسوء حظ العراقيين هذه الايام ان الغربان اغارت وتغير على اشجارهم، وقد تكاثف وجودها على حيطان منازلهم، تنعق من فوق كل غصن ومن على كل حائط: غربان من على الشاشات الملونة، وغربان من على مانشيتات الصحف، وغربان عبر الاثير.. غربان انيقة ببدلات السهرة، وثانية بالعمائم، واخرى بالجراويات، ورابعة بالزي البدوي، وخامسة بالزي الاوربي.. غربان تتحدث بالعربية واخرى بجميع اللغات.. غربان تقود سيارات ملغومة نحو مزدحمات العراقيين، واخرى تقود مناقشات مفخخة نحو تسميم حياتهم.. غربان ترطن واخرى توشوش وثالثة تنبح: هذه تتوعد وتلك تتشفى وثالثة تحض على الكراهية. غربان بكل اللغات ولكل المناسبات، وكلها تعزف لحنا جنائزيا لتشييع العراق الى مثواه الاخير، او الى مشروع دولة اسلامية على مقاس ناعق الجريدة المصرية. ـــــــــــــــــــــ .. وكلام مفيد ـــــــــــــــــــــ "عندما تتحول أحلامك إلى تراب فقد حان وقت الكنس". حكمة |
|
|
|
|