تقرير الخارجية الأميركية حول الإرهاب في العالم
بقلم د . صالح سليمان عبد العظيم
15/05/2008
تنشر وزارة الخارجية الأميركية تقريراً سنوياً حول الإرهاب في الثلاثين من أبريل كل عام يتناول أوضاع الإرهاب في العالم. ولا يختلف هذا التقرير عن غيره من التقارير التي تصدرها الإدارات الأميركية المختلفة من حيث توجهاته المسبقة وارتباطه بالمصالح الأميركية حول العالم.
يؤكد التقرير الأخير الصادر عن أوضاع الإرهاب في العام 2007 على استمرار الإرهاب حول العالم رغم تأكيده على أهمية التعاون مع الدول الأخرى من أجل خلق بيئة غير متسامحة تجاه الإرهاب.
فقد حدث تحسن طفيف في عدد العمليات الإرهابية التي انخفضت من 570,14 عام 2006 إلى 499,14 عام 2007، ورغم ذلك فقد ارتفعت أعداد الضحايا من المدنيين نتيجة هذه العمليات الإرهابية من 872,20 قتيلا عام 2006 إلى 685,22 قتيلا عام 2007. ومن اللافت للنظر هنا أن العراق قد استحوذ على ما نسبته 43% من إجمالي العمليات الإرهابية بنسبة 60% من إجمالي القتلى في العالم.

ورغم أن التقرير يكشف عن تردي الأوضاع في العراق فإنه يهمل الإشارة إلى الدور الأميركي في تصاعد العمليات الإرهابية في العراق، وإلى التصعيد العسكري الذي أوجد مناخا مواتيا من القتل والإرهاب. فالتقرير قد أهمل تماما الإشارة إلى السياسة العسكرية الكارثية التي تتشبث بها أميركا في العراق والمتمثلة في إرسال المزيد من القوات الأميركية للمنطقة تحت ذريعة مقاومة الإرهاب والحد من انتشار العمليات العسكرية ضد القوات العراقية والأميركية على السواء.

وفي هذا الإطار أغفل التقرير الإشارة إلى آلاف الضحايا من المدنيين العراقيين الأبرياء الذين سقطوا جراء تواصل العمليات الأميركية في العراق.

فالولايات المتحدة لم تقم بدور حقيقي من أجل فرض سياسات فعلية تتسم بالعدل والمساواة بين كافة القوى العراقية المختلفة بقدر ما أدى تدخلها العسكري في العراق إلى تأجيج الخلافات العرقية والطائفية والدينية وما ترتب عليها من صراعات دموية بين كافة أطراف المعادلة العراقية. كما أنها لم تحدد جدولا محددا للانسحاب من العراق وتسليمه لحكومة عراقية وطنية تستطيع فرض أجندة سياسية واجتماعية فاعلة.

إن تحديد ميعاد محدد لانسحاب القوات الأميركية من العراق يمكن أن يشكل مناخا جديدا يغلق الباب أمام أي عمليات إرهابية جديدة والحد منها شريطة أن تعي القوى الداخلية العراقية ضرورة إيجاد صيغة جديدة للتعايش بين كافة أطياف الخريطة العراقية.

ولا يقتصر اندلاع العمليات الإرهابية، وفقا للتقرير، على العراق فقط، بل إنها تصل للكثير من مناطق العالم المختلفة، وبشكل خاص الدول الإسلامية منها.

فالأوضاع في كل من باكستان وأفغانستان قد ازدادت سوءا عام 2007 مقارنة بما سبق. ففي باكستان ارتفعت عمليات تنظيم القاعدة، وفقا لبيانات التقرير، من 375 عملية عام 2006 إلى 877 عملية عام 2007، وهو ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا من 335 قتيلا إلى 1335 قتيلا بنسبة زيادة تعادل 300%. وهو الأمر نفسه الذي حدث في أفغانستان، حيث ارتفعت نسبة العمليات إلى 16% عام 2007 الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا من 1257 عام 2006 إلى 1966 عام 2007.

وتبرز خطورة الموقف بالنسبة لكل من باكستان وأفغانستان إذا ما وضعنا في الاعتبار الدعم الأميركي والدولي المقدم لكليهما من خلال الحرب على الإرهاب. فباكستان تحظى بدرجة كبيرة من التعاون من الكثير من الأجهزة التخابرية الفاعلية في العالم، وعلى رأسها الأجهزة الأميركية، كما أن أفغانستان تحظى بالدعم العسكري الغربي بشكل مكشوف وواضح منذ غزو أفغانستان عام 2001.

وبالنظر للعدو الرئيس للولايات المتحدة بيّن التقرير أن تنظيم القاعدة قد عاد أكثر قوة مثلما كان عليه الحال قبل غزو أفغانستان.

ورغم تأكيد الإدارة الأميركية الحالية على نجاح حربها ضد الإرهاب فإن التقرير بيّن أن الإرهاب يكتسب الكثير من الدعم في الكثير من مناطق العالم وعلى رأسها المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان.


ففي هذه المنطقة يكتسب تنظيم القاعدة شرعيته من خلال الصراع القائم بين القبائل وبين الحكومة الباكستانية. ففي ظل انعدام الشروط الحياتية الإنسانية، وفي ظل العمليات العسكرية الباكستانية المتواصلة ضد هذه المنطقة تجد هذه القبائل نفسها تقف في صف القاعدة ضد الجيش الباكستاني. ورغم النجاحات التي حققتها القوات الباكستانية في عملياتها العسكرية المتكررة ضد منطقة القبائل، فإنه في ظل الوضع الهادئ الآن في هذه المنطقة أصبحت الحدود الباكستانية الأفغانية توفر ملاذا أكثر أمنا لأعضاء تنظيم القاعدة ومن يدور في فلكهم.


ورغم ما يعلنه التقرير بخصوص تنظيم القاعدة فإن مدى قوة التنظيم ذاته والإمكانيات التي ينطوي عليها الآن تظل محل شك إلى حد كبير، فمن الممكن جدا أن يكون الإعلان الدائم من قبل الولايات المتحدة عن قوة تنظيم القاعدة أحد الأساليب التي تستخدمها من أجل تنفيذ أهدافها الاستراتيجية في التوسع في الشرق الأوسط ومنطقة آسيا الغنيين بالنفط.


كما أن التقرير لم يغفل إيران بوصفها الدولة الأكثر خطورة في العالم المعاصر التي ترعى الإرهاب والتي توفر للإرهابيين الملاذ الآمن والمساعدات العسكرية المختلفة. فمن وجهة نظر التقرير أن إيران تدعم الجماعات المتطرفة في فلسطين والمتمردين في كل من العراق وأفغانستان. ويغفل التقرير أيضا أن الأسلوب الذي اتبعته أميركا في التعامل مع إيران اتسم بالعدوانية وبالرغبة في فرض العزلة والعقوبات على إيران، مع تجاهل كافة السبل والدبلوماسية من أجل إيجاد صيغة للتفاهم معها.


إن خطورة التقرير أنه وإن كان يشير إلى الكثير من أوضاع الإرهاب في العالم إلا أنه يهمل السياق الذي خلقت الولايات المتحدة من خلاله الحرب على الإرهاب، والذي اتسم بالعدوانية وبتأجيج مشاعر الكراهية ضد الغرب وأميركا، بشكل خاص في كل من العراق وأفغانستان وباكستان.


كما أنه اتسم بالانتقائية المفرطة التي تمثل واحدة من سمات السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة؛ فالتقرير لم يشر من قريب أو بعيد للإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وللقتل اليومي الممارس ضدهم، كما لم ينتقد السياسات الأميركية الخارجية أو على الأقل أن يطالب بتعديلها وتقويمها بما يؤدي لخلق مناخ دولي يتسم بالعدل والمساواة.
كاتب مصري


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima