أريد حصتي من الخيانة
علي السوداني
05/06/2008
ها قد حانت لحظة الحسم ، وعليك منذ اللحظة اعادة صياغة وتشكيل وعجن حياتك كي تتواءم وتتناص مع التبدلات والمستحدثات التي وقعت على أس المصطلح . قصارت القصص والمكاتيب والحكايات لن تجلب لك كثير خبز ولن تترس عبّك بصرر الذهب . لم يعد أمامك متسع لتعيش كما تود وتتشهى . المسألة جدّ بسيطة والبدء سيكون بوضع ضميرك فوق رف المؤجلات .
سيوجعك حتماَ هذا المفتتح وسيسرق النوم من عينيك الغائرتين وسيتحطم فؤادك وسينكسر ظهرك وسترى الى وجهك في مرآة المرحاض فلا تجد غير سخام وصفرة وعار . ستحس بطعم دم رائب يغلق بلعومك حتى تكاد روحك تطفر من مكمنها ، لكن ألأمر سيكون سهلاً وسلساً ومقبولاً بعد حين من الدهر ليس ببعيد .
التدريب والمعايشة وحصاد ليرات الذهب سينسونك ما تبدّل من أيامك الجديدة . انت بحاجة قوية الى قليل من خيانة . ليس شرطاً أن تشهر خيانتك على الناس ، فقد يرجمونك بالحجارة ويتبولون عند أعتابك . يكفي أن تخفف لهجتك القاسية فتقول – للمثال فقط – أن أمريكا قد حررت وادي الرافدين من دكتاتورية القرن ومنحته شرف حوز خط الدفاع ألأول عن الحضارة والمدنية والسلم ، وأن قتل مليون آدمي من أوادم بلد ما بين النهرين سيكون ثمناً بسيطاً بمقابل هذا الكرم الرفيع .

قل ان الحالة الأمنية صارت حسنة . اكتب وامتدح وثنّ على خريطة فرض القانون . لا تضحك على حكومة البلد فتسميها حكومة المنطقة الخضراء .لا تحاول أن تطفىء هالة القداسة في وجوه رجالات الدين حتى لو دفنوا نصف الرعية .

الكهرباء ليست مهمة الآن ، مثلها مثل الكرامة . أدب المقاومة خرافة وعيب وسيرة مخجلة . قل أن شعبان عبد الرحيم ما كان ليحشد الكراهية ضد أمريكا وأسرائيل لولا خمطه عشرة ملايين دولار من طقطوقة كوبونات النفط .

لا تقل أن أمريكا قد قتلت وهرست مليون ونصف مليون عراقي بوساطة الحصار واليورانيوم وعناقيد الفسفور واصابع البارود . النتائج تسوّغها المقدمات . افتح دكاناً من دكاكين المجتمع المدني ، وسمّه ما شئت . ثقافة السلام والتسامح وقبول الآخر حتى لو كان محتلاً وكلباً ابن ستة عشر كلباً .

كل ووصوص . لتكن العمالة نهجك ومنهجك منذ الليلة . الشغلة ما عادت مجلبة للخزي . اكسب مستقبلك ومصير عيالك . عيالك صغار وأغضاض وقد نزعوا البلاد من ذاكرتهم فلا تذكّرهم بها وتحمّلهم أعظم من وسعهم . صر خائناً حتى تمتلىء جرارك ، وبعدها سيكون بمقدورك الأستدارة الى منطقة الشرف والتطهر .

حزنك ووجعك سيكون في أول يوم خيانة فقط ، بعدها سيحط كل شيء على تمامه وشرعه . تماماً مثل مومس في ليلة مقترح فض الدم الراسخ البكر .

تحوّل من السرد القصصي واذهب الى التهويم والتلغيز والطلسمة والعماء المنثور . لا تكتب أن الخائن خائن ، بل أكتب أن الخيانة وجهة نظر وتضاد . لا تحشر أنفك في طرائق بيع النفوط . تعلّم الغناء التجريدي والرسم التجريدي والرقص التجريدي ، فأن غنيت أو رسمت أو رقصت ، فسوف لا تجد من يزعل عليك ويدمغك بالأرهاب .

لا تمش خلف رجل يقول لك أنك فتى شجاع . هو يريد مقتلك . عليك أن تختار جلّاسك وندمانك من لب طبقة الجبناء والخوّافين والكذابين . انهم مسكك وطمأنينتك وراحتك ، اذ تخون أمام أعينهم ، فيرفعون الكؤوس عاليات مرفرفات بصحتك والذين معك . العالم تبدّل ، والتبدلات محض لغة . قم من صبحك وأخلع الكسل والتنبلة ويمّم وجهك صوب دكان مدجّج بالليرات القويات ، وأرمهم ببضاعتك الجديدة ، فأن لم تفعل اليوم ، فلن تجد غداً مقعداً شاغراً في طابور الخائنين والمنخرطين . أنا – أحبتي كلّكم – لم أقترف ذنباً عظيماً . أنا بحاجة ملحاحة ومروّعة الى شيء من نعمة الخيانة كي تتواصل حياتي . ألمسألة بسيطة جداً فلا تكرهوني !!

قال العراقي حد الموت من القهر والوحشة ، بدرشاكر السياب ، قبل خمسين سنة :

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون ،

أيخون إنسان بلاده؟!

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

alialsoudani61@hotmail.com


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima