الاتفاقية العراقية الأمريكية ..وسيكولوجيا الورطة ! في أست من ستكون هذه الورطة ؟ |
أ.د.قاسم حسين صالح * | 05/07/2008 |
تعني " الورطة " في قاموس المحيط : الوحل ، والارض التي لاطريق فيها ، والهلكة "الهلاك" ، والردعة تقع فيها الغنم فلا تتخلص، وكلّ امر تعسّر النجاة منه ، وأورطه و ورطّه توريطا أي أوقعه في الورطة فتورّط فيها . والحال ان الاتفاقية العراقية الامريكية وضعت العراقيين والحكومة وحتى الزمن ، الذي حدد بنهاية تموز ، .. في ورطة . فالكل يعيش الان حالة " قلق اخلاقي " الذي يحصل عندما يهم " الأنا " القيام بفعل مخجل يتعارض مع القيم والاخلاق الاجتماعية . واكثر الذين يعانون منه الآن هي " الحكومة " ، لأن هذا النوع من الفعل " التوقيع على الاتفاقية " يتعدى ، في العقل الجمعي للعراقيين ، حدود الخجل الى الخيانة . واظن ان السيد المالكي أكثر من في الحكومة معاناة من هذا القلق ، وأنه قد يرى في احلامه أنه في محكمة ، المتهم فيها " هو " والقاضي فيها " ضميره " ، وأن حاله حال " بلاّع الموس ". وربما كان السيد " زيباري " الذي سيوقع على الاتفاقية ، يرى في أحلامه ان الناس قد وصموه بــ " العميل " أو " بيّاع الوطن ". وقد يرى نفسه تطارده كلاب مسعوره ، مع أنه يبدو للناس سيوقّع الاتفاقية بضمير مرتاح ، وأنه يفعلها بيقين من اجل الناس والوطن ، وانه ليس في ورطة ولا يريد أن يورّط أحدا . ومع ذلك ، قد ينتابه هاجس ان العراقيين سيحشرونه يوم ما مع " الخونه " برغم أنه يرى أنه فعلها من أجلهم ، فيعمل في يقظته على تسفيه هذا الهاجس وطرده من رأسه ، لكن العراقيين ماكرون في تحويل هذا الهاجس الى كابوس يؤرقه في نومه ان فعلها ووقّع الاتفاقية ..وسيفعلها على طريقة : تريد أرنب أخذ أرنب تريد غزال أخذ أرنب . والعذاب النفسي الأشد ليس الآن ، انما بعد التوقيع على الاتفاقية . فكل من سيوقّع عليها سينتابه نوع آخر من القلق الاخلاقي هو " الشعور بالذنب " الذي يحصل بعد قيام الشخص بفعل مخجل فيؤنبه ضميره ويشعره بالندم والعزلة والاكتئاب . وقد يهون الأمر اذا كان اثر الفعل شخصيا" أو محدودا" فكيف اذا كان الأمر متعلقا" بــ " قضية شعب " و"خيانة وطن !" كما يصورها الشعور الوطني في العقل الجمعي العراقي. والعراقيون ليسوا بأحسن حال من الحكومة ، فورطتهم أنهم أمام خيارين كليهما " أكلان وحل" : أمريكا وايران . فالداعون الى رفضها يعيشون حالة صراع "الاحباط ـ الاحباط " فهم ان تخلوا عن أمريكا ابتلعتهم أيران . بل أن هواجسهم ستصوّر لهم أن الطريق سيكون أكثر وحلا" ، وتقول لهم : لنفترض أن " اوباما " ( أبن أبيه الاسود الذي يصف وجهه بالقير وأبن أمه الشقراء التي يصف وجهها بالقيمر ) فاز بالرئاسة وأمر جنوده في العراق بشدّ الرحال الى أمريكا ، فان ايران ستحتل وسط وجنوب العراق ، وستدخل تركيا الى كركوك لحماية أهلها ( وربما ولاية الموصل ايضا" ! ) وستدخل السعودية الى الانبار لحماية أهلها .. وستكون الدماء " الى الرجّاب " وسيقولون بعدها : كان هناك عراق ! . والداعون الى التوقيع عليها يعيشون صراع " الاقدام ـ الاحجام ". فلكي يبعدوا عنهم شرّ ايران فأنهم يرون في التوقيع على الاتفاقية خيانة وطنية كبرى بل وحتى شرعية أيضا" . فاذا كان التعاون مع المحتل اجازوه وفق مبدأ " الضرورات تبيح المحظورات " ،أو دفع الشرّ بشرّ اهون الى حين انتفاء الشرّين ، فان التوقيع على اتفاقية مع محتل صبر الناس على بقائه خمس سنوات يعني : " بيع الوطن ! " . ثم أن الاتفاقية لا بد ان تكون متضمنة بندا" يقضي بــ " تطبيع العلاقة مع أسرائيل ".. فيا ويل هؤلاء الداعين لها من عار " الفضيحة " الذي سيدمغ به جباههم الفريق الآخر من العراقيين الذين سيقولون لهم : ( نحن العراقيين الذين سبينا اليهود الى بابل وننوي سبيهم ثانية الى بغداد ، نتحول الآن الى سبايا لهم .. يا للعار ! ). وقد يستنجد آخرون بالقول : ( يا صدّاماه ! ) . وقد يعمل السيد " زيباري " على اقناع الست " رايس " بتأجيل - وليس حذف - بند التطبيع مع أسرائيل بقوله : ان للعراقيين سيكولوجية خاصة و" شرّاح يخلصنا منهم ". وقد تقتنع حضرتها بذلك بعد تذكيره بأن نصف العرب طبّعوا هذه العلاقة علانية ، وربع النصف الآخر مطبعينها " تحت العباءة " ، وربعهم الأخير تركناهم ليكونوا " اسفنجه " يمتصون بها ما تبّقى من وطنية الشارع العربي والكشف عن " الاسلاميين". {هامش فتنه : هلّت بشائر التطبيع من أثينا بمصافحة عراقية – اسرائيلية على مستوى قمة سجلّها التاريخ في نفس يوم ثورة العشرين ولكن بعد 88 عاما !}. وستكون هذه الورطة سببا جديدا" للفتنه بين العراقيين . فبعضهم سيمارس سيكولوجية التبرير بقولهم : ( هو العراق انباع وراح ، عليش حارقين قلوبنا ) . والذين انهكتهم المصائب سيمارسون سيكولوجية " البحث عن الخلاص " بقولهم : ( اذا كانت الاتفاقية ستفرجها علينا ، فلنبصم بالعشرة وطز بالوطن..وقابل احنه أكثر وطنية من رئيسنا المنتخب ديمقراطيا اللي اعلن من واشنطن عن سعادته بالتوقيع مع صديق حليف ..زور باش) . وآخرون سيمارسون السيكولوجية القدرية بقولهم : ( لا تدوخون ، ما راح يكون مصير هل الاتفاقية احسن من مصير معاهدة بورتسموث عام 48 مع بريطانيا التي اسقطها العراقيون بعد عشر سنين بالرغم من أن امبراطوريتها كانت لا تغيب عنها الشمس ) . وآخرون سيمارسون سيكولوجية اشعار الآخر بالذنب بقولهم : ( صمتوا وتاليها فطرتوا على لحم خنزير ) و ( هيه هاي الوطنية ، توطون روسكم يالعراقيين لامريكا عدوة الشعوب والاسلام اللي حتى الكونغرس الامريكي وصفها بتقريره يوم 11 ـ 6-2008 انها مناقفة .. تدعي الديمقراطية وتمارس الاستبداد ..والأكثر ، تنسون أنها فككت المجتمع العراقي ولن يعود الى ما كان ولا حتى بعد قرن). وآخرون سيقولون : لماذا كل هذه الحساسية من أمريكا ..انها الدولة الأقوى في العالم ، وفي صداقتها مهابة الوطن وتحضّر الناس واعمار البلاد ..امنحوها الفرصة وسترون كيف ستجعل البصرة أحسن من دبي . وسيتبادل العراقيون التهم فيما بينهم ، لعلّ اوجعها ان بينهم من سيمارس سيكولوجية الاسقاط " رمي الذنوب على الآخر" بقولهم : ( كلها من ورا الاكراد .. هم الرادوها للاتفاقية حتى يردّوا الفضل لبوش قبل رحيله ، وهم اللي راح يورطون العراقيين بيها ) . وسيردّ عليهم آخرون بالقول : ( وليش السنّة براء منها ، لو الشيعة اديهم بيضه ، اللي ما صدقوا امريكا مدت ايدها الهم .. ركضوا عليها وباسوها .. وفوقها مراجعهم يقولون عنها نجسه ! ) وقائمة لا تنتهي من التهم ..فالعراقيون ، في الوطنية ، لديهم شهية لقضم سمعة الآخر .وهم صاروا ، من حيث لا يشعرون ، مصابين بالادمان على سيكولوجيا الاختلاف بفعل قانون نفسي مفاده : ان تكرار الشيء ، لأشهر ، يفضي الى أن يكون عادة ، فكيف اذا كانوا على هذا الحال من ألف عام ! انها ورطة و ( مطينة بوحل ).. وستتطين أكثر بعد التوقيع المؤكد عليها . والمضحك ان الورطة تعني في قاموس المحيط " الأست " . والتساؤل الأكثر اضحاكا" : ترى في " أست " من ستكون هذه الورطة ؟ ! .
*رئيس الجمعية النفسية العراقية |
|
|
|
|