منتصر الوائلي: أرسم بمتعة بعيدا عن قيود الأساليب الفنية
07/05/2008
الجيران - سيدني - وكالات - تكاد رؤية البعض في توصيف الفن بماهيته وسبر أعماقه المتعددة تتقارب في التعريفات، فتأتي إجمالية وتقترب من مفهوم يكاد يكون واحداً فتجد النقاد يكتفون بتعريف الفن بما درج عليه فلاسفة الإشراق والجمال، فيُعبر عن الفن بقول فيلسوف الجمال «هيجل»: الفن مملكة الروعة، أو قول الشاعر الألماني «شيللر»: الفن مملكة الوهم الجميل.
وغيرها من التعريفات الإجمالية التي لا تعير للتفصيل والاتجاهات الأسلوبية والتكنيك والمدارس أي اهتمام، ورغم ذلك فإن نظرة عميقة لماهية «الفن» تؤكد أنه ذاتٌ وروح بعيدة عن الإحاطة كالموت والعشق والجمال والحياة وغيرها من مفردات الكون التي تخرج عن حيز المحدود إلى «المطلق»، وهذا الأمر ذاته ما يدركه المرء ويشعر به حين يتجول في عوالم البهجة والنقاء التي خطتها ريشة الفنان منتصر الوائلي في معرضه «انتباهات» الذي اُفتتح السبت الماضي في قاعة «قباب للفنون» في أبوظبي.


بعد أن خاض الفنان الأسترالي من أصل عراقي منتصر الوائلي تجربته الأولى في المعارض الشخصية في دولة قطر بمعرضه «استدراك»؛ هاهي أجنحة الحياة تحط به الرحال في العاصمة الإماراتية أبوظبي في معرضه الشخصي الثاني، وفي رحلة لاستكشاف عالم «الوائلي» الذي يُحلق عالياً في فضاءات الجمال والحياة، استوقفتنا محطات يجدر الوقوف عندها، فالرجل الذي تخرج وعمل في مجال الهندسة، لم يجلس يوماً في فصول الأكاديميات التشكيلية ولم يتلقّ يوماً دروساً في الفن على يد متخصصين في الفن التشكيلي، وذلك عكس ما توحي به لوحاته وألوانها وتكنيكه في بسط نفوذ عوالمها خارج الإطار..


إذن نحن أمام موهبة فطرية تلقائية بحتة صقلتها الحياة بأدوات ليس أقلّها الجمال والبهجة والحب، دون العروج على دروس الفن التشكيلي بدءاً من «المنظور» وانتهاءً بالأسلوبية ونظريات المدارس التشكيلية المتعددة، وإلى ذلك تكون المدرسة الفنية التي تخرج منها الوائلي هي «الحياة» أما الأساتذة الذين أشرفوا على تلقينه أسرار الفن فهم: «الطبيعة» و«الجمال» و«فلسفة الكون» لتضع بين يديه أدوات يندر أن يستخدمها رسام في عصرنا الحالي متجرداً من النظريات وقيود المدارس، ليفضي به ذلك إلى تلوين الحياة المعتمة بألوان الفرح، والفن بحسب قول الوائلي: يصعب تعريفه والتنبؤ بحالاته، فهو يأتي مثل البرق في غابة مظلمة.


المحطة الأخرى التي يجدر التوقف عندها في معرض الوائلي، هي خروجه عن النمطية والتقليدية التي تحكم الفن التشكيلي العربي بصورة عامة، فالمعتادون على رؤية ومشاهدة ما يعرضه الفنانون العرب، يتعرفون إلى المدرسة العراقية والسورية والمصرية بمجرد رؤيتهم للوحات المعروضة ـ حتى وأن جُرّدت من أسماء رساميها ـ أما في معرض «انتباهات» فالأمر يخرج عن هذا المسلك، فلم يتأثر الوائلي مطلقاً بمسارات وخطوط المدرسة التشكيلية العراقية باتجاهاتها المعروفة.


فلم تتجه ريشته باتجاه التقليد للأساليب الفنية في هذه المدرسة، بل اعتمد كلياً على الأداء الفطري للألوان والحركة فيها وترك التكنيك حراً مفتوحاً على أفق أوسع من مدارات المدارس والأساليب الفنية، ومن ناحية موضوعات لوحاته؛ فرغم «اغتراب» الوائلي و«تغربه» نتيجة لمحنة وطنه العراقي؛ إلا أن ذلك لم يؤثر أو ينعكس بتاتاً على أسلوبه وموضوعاته في الرسم، بعكس بعض الفنانين الذين انعكست أوضاع بلدانهم بشيء كبير من «المباشرة» على أعمالهم الفنية.


حتى باتت تلك الأعمال بمثابة «رسوم توضيحية» لمناهج مقررة في الحزن والعذاب المفروض على بلدانهم، حتى فقد «الفن» لديهم مقدرته على الإبداع والخيال ورؤية الحياة بعين أخرى، وهو ما يجده المرء في الكثير مما رسمه الفنانون العراقيون والفلسطينيون واللبنانيون خلال العقود الأربعة الماضية، بحجة نقل مأساة شعوبهم للعالم، أما الوائلي فقد جرّد أعماله من هذه العقبة، بل أن روحه الفنية تجردت من الزمان والمكان لترسم للحياة أجمل صور البهجة.


عند العروج على المحطة الثالثة في معرض منتصر الوائلي؛ تطالعنا ملامح الفن الفطري الخالص وإيمان الفنان بمبدأ التجريب، حيث تطالعنا لوحات الفن الانطباعي بأجمل صوره لتقترب في بعض لمحاتها من أجواء رائد هذا الفن «بول سيزان» بانتقالاته المتعددة في التجريدية والتكعيبية، لكن الوائلي تفوق على نفسه مرات ومرات حين وضع بصمة خاصة به في رسومه الانطباعية هذه والتي تعتبر الأجمل في أجنحة معرضه، وفي رحلته التجريبية خاض الوائلي تجربة فن «الكولاج المعالج».


فكان اختلاط القصاصات بخامات الألوان والعجائن بمثابة «هارموني» متعدد الإيحاءات، أما لوحاته التي تخضع لتقييمات المدرسة التجريدية البحتة، فقد ترك الوائلي للريشة أن تأخذ مدارات أوسع للناظر فترحل معه إلى عوالم من الغموض الموشى بالمتعة البريئة، إلا أننا وللأمانة نقول ان الفنان في حدسه وأسلوبه «الانطباعي» كان أكثر رقياً من اتجاهه في الأسلوب «التجريدي» رغم مبدأ «اللاقصدية» الذي انتهجه في أسلوبه التجريدي والذي يعد أحد أبرز عوامل نجاح الفنان في خطواته التجريدية.

أرسم بمتعة كبيرة

يقول الوائلي: عندما أشتغل اللوحة أنسى تماماً أن هناك متلقياً أو جمهوراً سوف يشاهدان العمل، أي أن الجمهور لا يشكل أي ضغط عليّ، أرسم بمتعة كبيرة، وكأن الأمر يخصني وحدي، وليس لدي التزام باتجاهات فنية محددة أو مدارس فنية تحكمها النظريات والقيود، فأنا أمضي إلى حيث تتجه ريشتي وألواني. 


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima