الجيران - عمان - جريدة العرب اليوم - باستثناء القليل من الاعمال السينمائية السياسية الجادة التي تعد على أصابع اليد الواحدة, لم تستطع السينما العربية أن تتلمس الجرح العربي الفلسطيني النازف منذ نكبة 48 وأن تسبر أغوار القضية الفلسطينية بأبعادها السياسية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بدءا من النكبة مرورا بالنكسة والاجتياحات, وليس آخرا اتفاقيات السلام. وبقيت بعيدة كل البعد عن تطورات القضية وفق المتغيرات السياسية المتجددة على الساحة العربية والدولية والعالمية, وفشلت الى حد كبير في تجسيد الوجع المشتت في البقاع. لكن السينما الفلسطينية استطاعت أن تحقق تواجدا عالميا رغم تاريخها السينمائي البسيط في الساحة السينمائية وأعادت هويتها الوطنية على أيدي أبنائها الذين عاشوا معاناتهم في ظل الاحتلال الاسرائيلي معتمدين على ذاكرتهم الخصبة ومختزلين وجعهم اليومي المشوب بالألم وحقوقهم المغتصبة أمام أعينهم, واستطاعت بعض الافلام الوثائقية والتسجيلية الفلسطينية أن تعلن عن وجودها عربيا ودوليا وعالميا, مثل "عرب فلسطين 1948" لمحمد بكري الذي اعتمد فيه على الحوارات بين عرب 48 الذين لم يغادروا الارض المحتلة, وبعض المستوطنين اليهود الذين جاءوا الى ارض الميعاد وراء حلم يطمحون في تحقيقه, وعرض فيه وجهات نظر كل فريق, وقد تم تصويره في فلسطين بموافقة سلطات الاحتلال, وهذا يعني انها وافقت على القضية المطروحة في الفيلم. وفيلم " القدس في يوم آخر" للمخرج الفلسطيني هاني أبو سعد. و"صور من ذاكرات خصبة" 1980 للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي, يتناول فيه قصة سيدتين وحواراتهما, احداهما أرملة شهيد وهي رومي فرح المسيحية ابنة القرية, والاخرى كاتبة مسلمة ابنة المدينة سحر خليفة, وكفاح كل منهما من أجل حقوقهما.
ميشيل خليفي.. المبادرة السينمائية
سعت السينما الفلسطينية الى أن تخرج من حالة الحصار التي فرضتها سلطات الاحتلال, وتكسر الحواجز التي أقامتها على موروث هذا الشعب المناضل, فجاء فيلم "عرس الجليل" 1987 لميشيل خليفي بداية انطلاق السينما الفلسطينية في عالم السينما العالمية, واقترب خليفي من نبض الشعب الفلسطيني ونسج من أحداث الفيلم المعاناة الحقيقية التي يعيشها أهل الارض المغتصبة, وسلط الضوء على عادات هذا الشعب وتقاليده وأفراحه وأحزانه والهم الذي يرافقه في حياته المعيشية وذلك من خلال عرس يقام في احدى القرى التي ترضخ تحت الاحتلال الاسرائيلي, ويصر الحاكم الاسرائيلي على حضور العرس, فيظهر التناقض بين رجالات قوات الاحتلال وأهل القرية في التعامل مع الارض, ولا شك أن ليلة الدخلة التي تلتقطها الكاميرا خير دليل على مدى الانكسار النفسي الذي يعيشه العروسان رغم ليلة العمر التي كانا ينتظرانها. ورغم ترشيح الفيلم لجائزة عالمية الا ان الوفد الامريكي هدد بالانسحاب من المهرجان.كما حقق فيلم "الجواهر الثلاث"1995 للمخرج نفسه تواجدا عالميا, و"نشيد الحجر" الذي تحدث فيه خليفي عن الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال, وقدم المخرج رشيد مشهراوي فيلم "حتى اشعار آخر" الذي يعد من اهم الافلام الفلسطينية, ويحكي قصة اسرة فلسطينية تعيش في غزة عندما تفرض قوات الاحتلال حظر التجول وتعتقل الابرياء في الشوارع من دون شعارات ثورية.كما قدم مؤخرا فيلمين وثائقيين هما "أخي عرفات" وفيه يتناول آخر أيام الدكتور فتحي عرفات وشقيق الراحل ياسر عرفات, والثاني "على بعد أمتار", ويلقي الضوء على المرحلة الأخيرة من حياة عرفات. ولا يقل فيلم "موسم الزيتون" للمخرج الفلسطيني حنا الياس اهمية عن الأفلام السابقة.
وتطرق حنا في الفيلم الى الحياة القروية في فلسطين, ومدى تعلق أهالي القرى ببساتينهم وحواكير زيتونهم, وذلك من خلال قصة حب, وحق المرأة في اختيار حياتها, ومكان اقامتها مع شريك حياتها, وتزداد القصة تعقيدا عندما تعتدي مستوطنة اسرائيلية على أراضي القرية. وقد تم عرضه في المهرجان السادس للسينما العربية في معهد العالم العربي في ,2002 وقدم عدد من المخرجين الفلسطينيين بعض أعمالهم, فقدم هاني أبو سعد فيلمه "في يوم آخر", وشارك رشيد مشهراوي بفيلمه "تذكرة الى القدس" و"بث مباشر". وفيلم "الخبز" لهيام عباس, و"آخر الصور" لأكرم الصفدي, وفيلم "أحلام المنفى" لمي مصري. وقد منحت لجنة التحكيم الجائزة الثانية لفيلم "موسم الزيتون" في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي, في دورته السابعة والعشرين في ,2003 وفاز أيضا بجائزة أفضل فيلم عربي, وجائزة الهرم الفضي, وقد شاركت في المهرجان 45 دولة. وعلق جان كلود بريالي في الحفل: "أن لجنة التحكيم قررت منح الفيلم "موسم الزيتون" الهرم الفضي للقيمة التي حملها في مقاومة شعب يتعرض للاحتلال ضمن حالة انسانية تواجه الكثير من التحديات والنزاعات." كما تم عرضه ضمن 14 فيلما في مهرجان مشاهد عربية السينمائي السنوي التاسع في واشنطن في العاشر من تشرين الثاني 2004 (مهرجان السينما العربية), وحاز على الإعجاب, وثارت حينها اشاعات حول امكانية ترشيحه لجائزة أوسكار, وكان الأكثر حظا في النقاش.
يد الهية
أما فيلم "يد الهية" للمخرج المميز ايليا سليمان الذي اختارته مجلة تايم الامريكية 2002 كأفضل عشرة أفلام واحتل المرتبة السابعة, ورشح لجائزة أوسكار التي تعد أبرز الجوائز السينمائية, فقد تعطلت فيه لغة الكلام, لما نضح منه مأساة انسانية حقيقية لم يشهد التاريخ الانساني مثلها, وتناول سليمان حلم الفلسطينيين بالاستقلال والقدرة على التحدي لمواجهة الاحتلال في نوع من الكوميديا السوداء التي تشير الى العدو الاسرائيلي بعيدا عن الهتافات بحبكة درامية عالية التقنية, ووظف الصمت أداة حادة في عملية البناء الدرامي بعيدا عن الشعارات المزيفة والهتافات التي لم تقدم شيئا حقيقيا لشعب فقد كل حقوقه الانسانية منذ اكثر من 55 عاما, وجعل البساطة والتفاصيل اليومية المتكررة في طرح الحكاية الانسانية قريبة الى الوجدان البشري, وأحكم قبضته على الاحداث الغنية بالرموز والايحاءات, وذلك من خلال التصوير والمؤثرات الصوتية.وخرج عن الصور المعتادة, وركز على المعاناة التي يعيشها الناس عند الحواجز العسكرية التي تعد صلب البناء الدرامي وذلك من خلال قصة حب جميلة تتابع ما يحدث هناك ولا يريدان سوى ممارسة حقوقهما العشقية. ويعكس صورة المجتمع الفلسطيني بعيدا عن أجواء المخيمات وظروف التهجير, لأنهم مازالوا يعيشون في ارضهم. ولا تقل معاناتهم عن الذين نزحوا عن قراهم ومدنهم. ويجعل من المحبوبة"منال خضر" قادرة على ابادة العدو الاسرائيلي بفانتازيا عالية التقنية, ولم يكن البالون الذي حمل صورة القائد الفلسطيني الشهيد"ياسر عرفات" وطنجرة الضغط التي ستنفجر, ومقتل "سانتا كلوز", والمعتقل الفلسطيني المعصوب العينيين الذي يدل السائحة الأجنبية على كنيسة القيامة التي لا يعرفها الجندي الاسرائيلي مشاهد مخترلة في الذاكرة الفلسطينية, تبحث عن حقها في الحياة بمنأى عن الاضطرابات النفسية والاعتقالات اليومية والممارسات الصهيونية.
وقد احدث جدلا عند عرضه في مهرجان موسكو 25 وكذلك في مهرجان كان عام 2002 في دورته الخامسة والخمسين, وكاد ان ينتزع السعفة الذهبية الجائزة الأولى الا ان بعض القائمين رفضوا الامر لعدم وجود دولة اسمها فلسطين, وحصل على جائزة لجنة التحكيم, ووصفت احدى الصحف العالمية المخرج ايليا بأنه واحد من اهم المخرجين في السينما.
ملحمة باب الشمس
حققت الملحمة الدرامية "باب الشمس" للروائي اللبناني الياس خوري قفزة كبيرة في تاريخ السينما العربية, وأعاد طرح القضية بأبعادها السياسية والانسانية, والحقائق التي غيبت أمام المحافل العالمية والدولية. واستطاع المخرج يسري نصر الله رصد الحالة الفلسطينية وأوضاعها وتطوراتها منذ ,1943 وحتى منتصف التسعينيات "اتفاقية اوسلو", واتخذ من التجارب الانسانية, خير دليل على مأساة هذا الشعب الذي أجبر على التهجير, وليس كما تدعي سلطات الاحتلال أن الفلسطينيين خرجوا طواعية من أراضيهم, كما سلط الضوء على الحرب اللبنانية الأهلية وانعكاساتها على القضية المركزية. واستخدم نصر الله لغة "الفلاش باك" ليستعيد ذاكرة هذا الشعب الذي يقاوم كل يوم أعتى استعمار عرفه العالم.
ونسج من قصة عشق يونس لزوجته نهيلة الذي انضم الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تفاصيل قصة شعب يعيش بين الحب والدم, والحياة والموت, وكشف خارطة الروح الفلسطينية العصية على الانكسار, ورغبتها في الحياة رغم أنف أعدائها. وكان البعد الانساني اللغة التي اعتمدتها الكاميرا في تصوير حالات هذا الشعب, من التهجير الاجباري والمجازر, وخروج الفدائيين من لبنان,, وجاء يحمل المفهوم الحقيقي للشخصية الفلسطينية التي تحلم كغيرها من الناس, المليئة برغباتها ونزواتها, وأمور حية بعيدة عن الاطار الاسطوري التي قيدتها السينما العربية وفق مفهومها المغلوط, وهذا ما أضاف للفيلم بعدا واقعيا وفق أبطال الحدث, مثل الداية أم حسن, وخليل الذي يقع في حب شمس, وعدنان أبو عواد الذي فقد عقله إثر التعذيب الذي لقيه في المعتقلات, والشاب الذي نجا من مجزرة شاتيلا, ومقتل أمه الذي لا يفارقه في الصحو والنوم. عدا عن تجليات الكاميرا في تصوير التهجير الجماعي, واللغة الجمالية في تصوير جغرافية الوطن المغتصب...
وشارك في هذه الملحمة عدد كبير من الممثلين العرب, باسل خياط الذي قدم أجمل أدواره, ونادرة عمران التي جسدت الداية أم حسن بحس انساني عال قل نظيره, وهشام عباس ومحتسب عارف, وهيا عباس, وشارك في كتابة السيناريو محمد سويد, وكان من انتاج فرنسي - مغربي. لذا لم يكن من باب المصادفة أن يتم اختياره من افضل عشرة افلام على مستوى العالم والثامن بين الافلام التي قدمت عام .2004 ولا نبالغ اذا قلنا ان "باب الشمس" هو اول من تناول المأساة الفلسطينية, وتوغل في التفاصيل, ونقل الى العالم صورة الشعب الفلسطيني بتحولاته السياسية والاقتصادية, ونجح في تجسيد المعاناة بصورة اقرب الى الحقيقة والواقع.وحقق فيلم" الجنة... الآن" للمخرج هاني أبو أسعد شهرة عالمية, وهذا يعود الى طرح قضية الاستشهاديين, التي تلاقي في العالم رفضا قاطعا لهذه السياسة, وكأن الشعب الفلسطيني لا يحمل الا رغبة الموت, في الوقت الذي يغني للحياة, لكن ما يلاقيه من اضطهاد وظلم جعله يبحث عن نوع آخر من الحياة الكريمة.وقد حصل الفيلم لاحقا على جائزة لجنة التحكيم في الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي.
هنا, لا بد أن نقول أن السينما الفلسطينية حققت تواجدا عالميا, رغم الحصار الذي تلاقيه من قبل السلطات المحتلة, وقلة مصادر التمويل العربي, مما دفع يسري نصر الله أن يطلب من فرنسا تمويل الفيلم بعد أن رفض المنتجون العرب العمل على انتاجه, مثل هذه الافلام ستكون يوما ارثا تاريخيا ومرجعا ثقافيا للاجيال القادمة, فهي الذاكرة التي ستحفظ تاريخنا من الزوال او التحريف الذي اعتادت اسرائيل عليه منذ ان وضعت اقدامها في المنطقة العربية. |