في هولندا ندوة للكاتب جاسم المطير حول الفساد المالي والإداري وجذوره الاجتماعية- الاقتصادية
01/07/2008
استضافت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا بالاشتراك مع النادي الثقافي المندائي في دنهاخ (لاهاي) يوم الجمعة الموافق 27-6-2008 الكاتب الأستاذ جاسم المطير الذي قدم محاضرة بعنوان "الفساد المالي والإداري وجذوره الاجتماعية والاقتصادية " حضرها جمع من العراقيين المهتمين بقضايا الوطن. وكمدخل للموضوع تطرق الكاتب إلى أهمية الظاهرة على المستوى العالمي حيث بدأت تأخذ مسارا أوسع في تهديم البنى المالية والاقتصادية في العالم الثالث. وكثيرا ما تطرح أسئلة حول الفساد هل هو ظاهرة فردية أم طبقية؟ وكان جواب المفكر هيغل بأنها ظاهرة طبقية. وكثيرا ما تتردد الأسئلة عن وجود الفساد في الدول الاشتراكية السابقة وفي رأي المحاضر هذا ناتج من أن المجتمعات الاشتراكية جاءت من رحم المجتمعات السابقة وحملت بعض ظواهرها. ما يؤكد صحة ذلك تحقيق أجرته لجنة في إيطاليا عام 2005 أظهر أن جميع الأحزاب تمارس الفساد باستثناء الحزب الشيوعي الإيطالي. إذن هي ظاهرة طبقية توجد في الغالب وسط الطبقات الغنية وتقل في الطبقات الفقيرة .

تخصص الشركات والمؤسسات الرأسمالية ما يسمى بالكلف وهي تتراوح بين 1-10% تدفع لرشوة الحكام وأصحاب القرار في الدول النامية. وقد كشفت الأمم المتحدة أنه يدفع سنويا مليار دولار لأصحاب القرار. وهرب حوالي 400 مليار دولار من الدول الأفريقية ووضعت كمال سري في الخارج لأغراض متعددة الاستخدام. وطبقت الولايات المتحدة سياسة لمكافحة الفساد بحيث لا تطيح هذه بالقواعد الأساسية للاقتصاد الأمريكي. وأوعز الأستاذ جاسم المطير جذور الفساد المالي والإداري والاقتصادي إلى المجتمعات الرأسمالية القائمة أساسا على التنافس الغير شريف والبورصة والصفقات التجارية والشركات والعمولات والاستغلال البشع للقوى العاملة في بلدانها، واعتبر إن الفساد مرتبط بشكل وثيق بالبنية الطبقية للمجتمع.

لا تعالج ظاهر الفساد في العراق بشفافية وما تسرب حولها من معلومات من قبل الصحافة العالمية لم تكشفه السلطات المختصة. في عام 2003 كشفت الشركات الأمريكية الكبرى الفساد في العراق لكنها في نفس الوقت تمارس الفساد على المستوى العالمي وساعدت الحكومة العراقية على طمر حالات الفساد التي ظهرت إلى السطح. وحاول بريمر تشكيل هيئة نزاهة بدون صلاحيات. كما أشار المحاضر إلى إن الاحتلال في العراق ساهم في رواج الفساد وخلق طبقة طفيلية في المجتمع العراقي للاعتماد عليها في تنفيذ مآربه ومصالحه ، وهذا ديدن الاستعمار في كل مكان ففي السابق أيضا دعم الاستعمار البريطاني طبقة من الحكام ذوي السلطة والنفوذ والمال ليكونوا سندا له في تحقيق مصالحه.

أثبتت تقارير الأمم المتحدة أن الدول العربية لا تخلو من الفساد حيث مع بروز وتوسع العولمة فتحت الحدود أمام الدول الصناعية للسيطرة على اقتصاديات الدول النامية وشجعت على الفساد. ويلاحظ أن 90% من التجارة العالمية تسيطر عليها 600 شركة عالمية فقط. تضاعف الرشوة والفساد مكامن الفقر في الدول النامية حيث لا توجد مؤسسات لمكافحة هذه الظاهرة . وبعد مناقشات الأمم المتحدة حول الفساد قرر مجلس الحكم في العراق تشكيل لجنة لمكافحة الفساد في الوزارات وأن يتم تعين مفتش عام من قبل الوزير حسب قرار بريمر ومهمته مكافحة الفساد الإداري فقط بينما آلية التعيين عكس ذلك في الدول الأخرى.

كان نظام صدام حسين فاسدا إداريا وماليا بدرجة كبيرة وهناك شواهد كثيرة لهذا الفساد خاصة خلال 15 سنة الأخيرة من حكمه. وبعد غزو الكويت انتعشت ظاهرة الفساد وأصبح لا الوزير ولا المواطن العادي يعرف مصادر التمويل لذلك لجأ النظام إلى طبع العملة الورقية بدون رصيد. وكانت الحلقة الأولى التي تمارس الفساد هي عائلة صدام حسين وتأتي بعدها حلقة الضباط المرتبطين بالنظام. وقد يترابط الفساد الإداري والمالي أو يفترق أو يؤمن الأول الثاني.

كما أكد المحاضر إن انعدام الأمن واستشراء الفساد الذي يطال رأس الدولة والحكومة وكذلك جميع مرافق الدولة وقطاع الخدمات إلى جانب تركة الماضي الثقيلة من الخراب والدمار المادي والروحي الذي ساهمت في أنتاجه عقود من الحكم الدكتاتوري وحروبه وما ترتب عليها من نتائج مدمرة إلى جانب المحسوبية والواسطة هذا كله يترك تأثيراته السلبية على أوضاع الملايين من أبناء الشعب العراقي و يضفي مشاعر الإحباط والقلق والسخط لدى المواطن، ولا يخفى على احد إن الفساد عمّ حتى المؤسسات العسكرية حيث تنقصها النزاهة والكفاءة والمعايير الوطنية.

لا يمكن القضاء على الفساد إلا بالقضاء على ظاهرة تزكيات التعيين التي تمنح من قبل الأحزاب السياسية حسب منحدرها الطائفي والقومي والتي تساهم في الفساد الإداري وتعزز مواقع العصابات المالية التي تنهب أموال الدولة. ويبدأ الفساد بتعيين الموظف وترقيته حيث لا يعين الوزير لكفاءته وإنما طبقا للمحاصصة الطائفية والقومية ولذلك تصطبغ الوزارات بصبغة الوزير وانتمائه السياسي والطائفي والقومي. وهناك فساد أخطر في وزارة الداخلية والدفاع حيث أصبحت الرشاوى هي الطريقة المتداولة في التعيين. ويلاحظ كذلك فرقا هائلا في مستوى الرواتب فالفرق بين راتب رئيس المهندسين ورئيس الدولة نسبته 1 إلى 43 بينما في دول أخرى 1 إلى 9 وراتب الطبيب القديم مليون دينار بينما راتب عضو مجلس الرئاسة 55 مليون دينار وهذا الفرق في مستوى الرواتب هو أحد العوامل التي تدفع للفساد. أيضا غسيل الأموال يكمل الفساد وكي تنقل الأموال غير الشرعية إلى الخارج يمارس الفساد لنقلها. كذلك من العوامل المسببة للفساد عدم وجود بنية قضائية مستقلة تتعامل مع هذه القضايا وعدم وجود آلية للمتابعة القانونية للذين اتهموا بالفساد وهربوا إلى الخارج. أيضا لا توجد صلاحيات لمؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في معالجة هذه الظاهرة. والنتيجة فأن الفساد يخفض من مستوى الاستثمار ويحد من المنافسة ويزيد الإنفاق الحكومي ويخفض الإنتاجية ومعدل النمو ويخفض التوظيف في القطاع العام ويقوض حكم القانون ويزيد عدم الاستقرار السياسي ويساهم في ارتفاع معدلات الجريمة.

أنعكس الفساد فيما آلت إليه الظروف حاليا في العراق من تدهور في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية مما يؤثر سلبا على المواطنين خاصة ذوي الدخول المحدودة والكادحين وكذلك آثاره السلبية في تلبية احتياجات المواطنين الضرورية من الخدمات العامة كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب والخدمات الطبية وحق العمل لجميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم وغيرها من القضايا التي تشكل عائقا أمام تطور المجتمع العراقي اقتصاديا واجتماعيا.

وكان للحضور مساهماته القيمة عبر المداخلات أو طرح الأسئلة التقييمية وقد دعا بعض الحاضرين إلى تنشيط دور الإعلام عبر الإذاعة والتلفزة لتوعية المواطنين بحقوقهم ، وطرح أزمة الفساد ومحاربة المفسدين من خلال برامجها. كما تطرق احد المتحدثين إلى إن منظومة القيم الأصيلة للشعب العراقي في فترة الخمسينات والستينات وحتى السبعينات قد جرى تخريبها على يد البعث الحاكم ،من استشراء الفساد وشراء الذمم والمحسوبية وفساد السلطة ،هذا كله أدى ليس القضاء على تلك القيم الأصيلة والجميلة وحسب وإنما أدى إلى تخريب الإنسان العراقي من الداخل. وبما أن الفساد بات يبني لنفسه منظومة متكاملة فلا تفيد الإجراءات الهامشية لمكافحته وإنما يتطلب الأمر تأسيس منظومة متكاملة من الإجراءات الرادعة لتفتيته والقضاء عليه أو الحد منه على الأقل.

وفي نهاية المحاضرة أجاب الأستاذ جاسم المطير على أسئلة واستفسارات الحاضرين ،
كما تطرق أيضا إن الحل لهذه الأزمة لا يتأتى إلا من خلال التغيير الشامل، وهذا لن يتم إلا ببناء دولة القانون والنظام، دولة المؤسسات والديمقراطية ألحقه والاستقلال الناجز، دولة ينعم فيها المواطن بحقوقه كاملة.



منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا




quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima