قصة قصيرة .. اختفاء |
سعدي عباس العبد | 08/05/2008 |
فهذه هيَ المرة الاولى التي اراها فيها ، بعد غياب دام اكثر من عقدين ،اعلم انها لم تلحظني ، كانت عيناها تبحلقان في الوجوه المندفعة من غرف (الدائرة) لمحت عينيها ترمقانني ،قبل ان يحجبها عني رف من الاكتاف المتراصة .. ثم غابت عن عيني وراء زحام الرؤوس المندفعة امام ( المكتب ) ووجدتني اقف في نهاية الممر المفضي الى غرفتها ، انتظر ان تذيل اوراق (تعييني) بصفة فراش ،في الدائرة ، التي تشرف على ادراتها لم يطل انتظاري ..فوجدتني اقف فوق راسها ويدي ماسكة بالاوراق ،طلبت مني ان اترك الاوراق وانتظر عند الممر ، ومن هناك وعبر المدى المضيء ، رأيت الشمس المنسلة من النافذة مفروشة على وجهها تضيء شعرها الاثيث السابح في ذرات بلورية ، تشع بريقا يتموج ..فانبثقت في ذاكرتي شموس الماضي تنسل عبر نوافذ بعيدة ، مشرعة على مرافئ تلوح انوارها من وراء سنوات غائمة يغمرها ضباب كثيف من النسيان ، احسست كأني اخوض في ظلام حالك ، وانا احاول ان استعيد عبر ذاكرتي المشوشة ، اخر لقاء ، تدفقت سيول الذكريات تتدافع في مجرى السنوات ، ولكن متى كان اخر نهار انطفئت فيه الشمس وخمد بريق عينيها ، متى ؟ متى حدث ، واين ؟ لمع وجهها في الضوء المندلق حالما رفعت راسها ، حدقت بطرف عينها وهي تسوي شعرها المنهمر كشلال اسود على جانبي كتفيها ، كنت في تلك اللحظة اقاتل قوى غامضة في داخلي كنت اسعى لاخماد حريقا عات نشب في قلبي ، اضرم السنة لهب متاجج يشب من عينيها اللتين مازالتا تتطلعان ببرود الى ملامحي ، فبدت لي ، انها تجهل كل شيء عني ، وان ذاكرتها لاتسعفها في استعادة ملامح تلك الايام او هكذا كان يخال لي ايمكن ان ينسى المرء احلامه ،و تغدو الذكريات مجرد اوهام سمعت صوتها ، كانه ينسل من عمق تلك الايام المضيئة التي مر عليها وقت طويل ، ولكني لا اتذكر في تلك الايام اخر لقاء هل كنا عند النهر لما رايت وجهها تعلوه مسحة شحوب وهي ساندة ظهرها الى الشجرة .تطلع بالم الى صفحة المياه ، فبدت متوحدة ، اكثر من أي وقت اخر ، كانها تهيئ نفسها لعزلة قد تستغرق سنوات طوال ، اما انا فكنت اشعر بانصال العذاب تحفر عميقا في روحي ، فالبارحة طلبوني للالتحاق بالجندية ، كانت تتكلم كما لو ان حبالا معقودة على عنقها فبدت شديدة الحزن وهي تطلب مني عدم الذهاب الى هناك ، بدا لي وجهها في تلك اللحظة الحافلة بالعذاب كنقطة قاتمة لتحشد الاحزان .. لا ادري متى اختفت لا اتذكر .. وانا مازلت اتوغل في مسارب الذكريات وانظر اليها رايتها تومئ لي ، فوجدتني اقف بمواجهة ذلك الماضي البعيد بكامل احتراقاته ، فتملكني احساس غامض ، لم اجربه من قبل ، فاعتراني اضطراب وانا ارى الى سحنتها المضيئة فطافت في ذاكرتي رائحة تلك الايام ، كانها تتدفق من عينيها ومن شعرها الملتمع بخطوط فاترة من البياض يشع من اعلى جبينها ، كنت شاردا صوب تلك الافاق البعيدة لما سمعتها تكرر اسمي وهي تحملق في وجهي ، ذاهلة ، شاردة كانها تجاهد لاستعادة ذكرى متلاشية في اعماق النسيان كنت اعلم ان اشياء كثيرة قد تغيرت ،فوجهي لم يعد يشبهني ،فقد تركت السنوات اثارها تحفر عميقا في الاخاديد الطاعنة بشيخوخة مبكرة ،كما طبعت الحروب المسرفة في التكرار ! والعذاب بصماتها الرمادية على ملامحي القاتمة لم اجرؤ على تذكيرها او حتى مجردالتلميح الى تلك الايام ،كنت خائفاً انوء بعذاب الذكرى ، من شدة اليأس والالم واللاجدوى ، صرت لا اقوى على النظر اليها ، كان احساسي بالوحدة والضياع قد بلغ اشده ، طلبت الي وهي تلقي نظرة اخيرة على الاوراق ، ان اباشر من الغد بالدوام في الدائرة ،ولكن ما يدهشني هو اختفاؤها المفاجئ حال مباشرتي فيْ الدوام.. |
|
|
|
|