لغة الجسد في "انعكاسات امرأة" للقاصة ايناس البدران
الدكتور عبد الهادي الفرطوسي
08/05/2008
ستقصر هذه الدراسة اشتغالها على ثيمة الجسد دون غيرها، باعتبار "الجسد في بعده الإيروسي هو البؤرة التي تتجلى فيها وعبرها الذوات والأشياء التي تكون عالم النص"1، وباعتبار أن " تداخل الثقافي والعملي ضمن ما يشكل كونية الجسد، إلى ما يصنع هوية الجسد كعنصر يخبر عن انتماء جغرافي أوفئوي أوطبقي "2، وسنتناول في هذا الدراسة مجموعة إيناس البدران القصصية انعكاسات امرأة" وكيفية اشتغال لغة الجسد فيها:
في قصتها الأولى "انعكاسات امرأة" نجد أن التواطؤ بين اليد والعين يتحقق بصيغة واضحة، ولنتذكر قول سعيد بنكراد أن ما بين العين واليد تواطؤ ثقافي لا يظهر إلا من خلال تحديد النصوص المتولدة عنهما3"، ففي اللحظة التي تنفتح عينا البطلة تتجه كفها الى توجيه لطمة الى منبه الساعة الذي يعلن عن ولادة يوم جديد وكأنها تسعى إلى إيقاف الزمن، هكذا تدخل مشكلة الزمان موضوعة أساسية للنص، ولكن من وجهة نظر أنثوية تقليدية، الزمان هو العدو التقليدي للمرأة ما دام يسلبها جمالها وشبابها، تصرح بهذه الفكرة حين يخالجها "شعور بأنها قارورة معرضة للكسر"، الصراع بين المرأة والزمن يتجلى في لغة الجسد، كاشفا عن زيف الحياة من خلال المكياج الذي يخفي تحته الشحوب والتجاعيد، ومن خلال التقاء حرارة الدموع بحرقة الكحل الذي يلطخ الوجه، ومن خلال المشية شبه المترنجة التي تمارسها البطلة، لم تكن مشية غنج ودلال، بقدر ما كانت تعبيرا عن تعب وإرهاق بفعل الزمان، الواقع المر كما يسرده المذياع يؤدي بالبطلة الى الهروب، ولكن .. الى أين؟؟ الى إذاعة بعيدة تبث موسيقى ناعمة...

السؤال الأهم أمام هذا النص: أين شخصية الذكر؟؟؟

تبقى صورة الذكر مسكوتا عنها، قد تتمثل بصورة "العدو يقصف .. يجتاح" وصورة "دوي انفجار قريب" ... وقد تتمثل بالحياة الروتينية التي رسمها لها المجتمع الذكوري: "انتهت من إعداد الفطور ... وان عليها تجهيز الغداء" هذا ما تعيشه امرأة عصرية في القرن الحادي والعشرين، تسعى الى قيادة المنظمات، الرجل الوحيد الذي يظهر في آخر النص هو الابن، يسألها: لماذا تهتم المرأة بمظهرها... ثم يسلبها نصف نقودها ...
النص بمجمله محاولة احتجاج سلبي على سلطة المجتمع الذكوري، الإحساس بالعجز عن تغيير الواقع حالة واضحة للعيان.
أما في القصة الثانية "إشارات ضوئية" فإن دور الساق يتجلى واضحا، ولكن ليس كما يرى سعيد بنكراد، بوصف الساق دون غيرها من الأعضاء العضو الأكثر جنسية4، وإنما هو أداة المشي فقط " – ساقاي وهما كل ما أحتاجه للجري مع القطيع"5، لكن هاتين الساقين لا تؤديان فعلهما بصورته الطبيعية، وإنما من خلال اتحادهما بدواسة البنزين، هكذا تبرز مشكلة الصراع بين الطبيعي والحضاري، تتحقق فيها إدانة الحضاري والحنين الى الطبيعي، من خلال تحكم الآلة بالفعل الإنساني، فتغيب الوظيفة الجنسية للساق، حين تتماهى بدواسة البنزين: "ضغطت بشدة على دواسة البنزين فانطلقت المركبة" ، وتغيب الصفتان الأساسيتان للإنسان: العقل والقلب وتصيران سر شقاء البطلة " – أدركت أن عقلي وقلبي هما سر شقائي ... فقررت أن ألغيهما..." وبذلك تتوحد البطلة بالمركبة وتصير جزءا منها، يتححق ذلك حين يحكم الإنسان من قبل منجزه الحضاري ، فتتحكم إشارات المرور بحركاته وسكناته، هكذا يتحقق انسحاق المرأة تحت ثقل حضارة الآلة، ويهيمن المرض والألم عليها.
صورة التقابل بين الطبيعي والحضاري في رؤيا المرأة المعاصرة يجسده التقابل بين النهر والمركبة، ويتجسد الهروب من الواقع الى الحلم بمغادرة البطلة السيارة الى النهر:" ضغطت على جملة أزرار موزعة بانتظام على بطانة باب المركبة الأيسر..." وتبرز الوظيفة الجديدة للساق، حين تصير وسيلة للانتقال من الحضاري الى الطبيعي، وحين يكون هذا الانتقال مرهونا بتحررها من دواسة البانزين ووقوفها بمحاذاة النهر: "ترجلت من خلف المقود لتقف بمحاذاة النهر مباشرة"، التواطؤ هذه المرة يحصل بين الساق والشعر، فحين تقف الى جانب النهر يداعب الهواء خصلات شعرها، وتتحقق الرغبة في الانغماس بالنهر حد الانجراف بتياره، لعل في ذلك تعبيرا عن الرغبات الإيروسية البدائية التي محقتها الحضارة، ولعل فيه حنينا الى المجتمع البدائي بديلا عن حضارة علامات المرور التي تستعبد الإنسان، ومن وراء ذلك نقرأ في التقابل بين النهر والمركة، حنينا الى المجتمع الأمومي، ورفضا للحضارة الذكورية، ومثلما وجدنا في القصة السابقة غياب الرجل وحضور مجتمع الحروب تعبيرا عنه، نلمس هنا الغياب الكلي للرجل وحضور مجتمع الآلة تعبيرا عنه وبديلا له، ومثلما خرجنا من القصة السابقة بأنها محاولة احتجاج سلبي على سلطة المجتمع الذكوري، إحساسا بالعجز عن تغيير الواقع ، يتأكد الأمر نفسه في القصة الثانية، فتعود البطلة الى المركبة وتمارس طقوس الطاعة لأوامر علامات المرور .


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima