شارع المتنبي.. تاريخ من الحيوات |
| 08/05/2008 |
هذا كتاب صغير الحجم، عميق اللجة سحيق الفكرة جم المنفعة سماه مؤلفه رزاق ابراهيم حسن رؤية لشارع المتنبي وصدر ضمن الموسوعة الثقافية وهي سلسلة شهرية تخرجها لنا دار الشؤون الثقافية العامة زاداً فكرياً نمتح منه تواصلاً وامتداداً مع الحياة.. وهو، باختصار؛ سياحة في تاريخ هذا الشارع العريق بمكتباته وذكرياته، وقراءة لبصمات حياة الادب والكتب في هذه الرئة الثقافية التي لعبت كثيراً من المراحل الايجابية في الواقع الثقافي العراقي. وأهم ما رصدته في هذه (الرؤية) لشارع المكتبات والثقافة، ان المؤلف تتبع مراحل تأسيس الشارع، ونموه وازدهاره، وامتداداته وانحساره، فأقنعني بأمرٍ جد مهم؛ فالمؤرخون درسوا التاريخ لاغراض شتي؛ درسوا تاريخ الناس لنعرف عن هؤلاء الناس الذين كانوا، كيف كانوا، وكيف عاشوا، وفيما عملوا، فأصابوا ونجحوا، أو اخطأوا وفشلوا، وسر نجاح فيهم وسر خيبة. والشوارع كالناس، نتعرف عليها؛ كيف بدأت، والام انتهت.. وكل ذلك لنتعلم من الماضي؛ ماضي الناس ومدنهم وشوارعهم، ولنفيد مما ينفعنا في حاضرنا.. انها صور من الحياة، بعضها مضي وتم، ونحن اليوم في صور مثلها من حياة الماضين، لم تمض بعد، ولم تتم، فالمؤلف يقدم لنا مودته في علم نهاية انتهت اليها صور مضت، ليعلمنا ان نحدس نهاية تنتهي عندها صور واماكن، لم تمض بعد.. والاستاذ المؤلف يفترض ان الحياة الواحدة، التي ارخ لها وانتهت، اذا شابهت حياة اخري لم تنته، وشابهتها ناساً واحداثاً واحوالاً، فالحياتان لابد منتهيتان الي مآل واحد. ورغم اني لا اجيز مبدأ التكرار الابدي، الذي ابتكره الفيلسوف الالماني فردريك نيتشة؛ او الابدية المتواصلة المتمثلة في (الدائرة) حيث الاحداث تتكرر، وتذهب لتعود ولكن في دورة، مدارها يستغرق اعداداً هائلة من اعمار من الدهور متطاولة. اجل انها مدنية، هي اليوم قائمة، غير مدنية الامس، وذاك امر لا شك فيه، الا في بلاد لم تتغير ولم تتطور. والفرق بين مدينتي الامس واليوم، فرق تثقف؛ كان للناس من الثقافة خط فتضاعف، ومع التضاعف اتسع شارع الكتب ــ وهي اوعية الثقافة ــ وانفتح امام الناس شارع، كان للمواصلات، بدءاً، في مكان كان صغيراً ثم كبر، وكان متقارب الاطراف فصار متباعد الارجاء، واسعاً ضخماً، فامتدت ارتباطاته بساحة التحرير مروراً بشارع الرشيد، حيث كانت المقاهي والمكتبات التي تمتد علي امتداد هذه المناطق، مشبعة بالمساس الانساني، والتعارف، فلا يكاد احد من زوارها يجد وجهاً غريباً الا عرف انه الغريب وادركه، وفي تلك المقاهي طقوس متجذرة جمعت بين الثقافة والتجارة؛ فيها يتناقلون الاخبار ويعلقون عليها ويتحادثون ويتفاعلون، كما وجب ان يتفاعل الناس، رغم اننا ــ اليوم ــ نتحسر علي ضياع ذلك الدفء الانساني في علاقات الامس؛ فطعوم العيش الجميلة انطوت او انطوي اكثرها، فصرنا نستعيض بالصحيفة عن التحادث المباشر، نقرأ اخبار اليوم ونشترك في الاطلاع عليها، ولكن لا بالمساس الانساني من لسان لاذن، ولكن من ورقة لعين؛ توحدنا خبراً، ولكن في غير وحدة، صار الرجل منا يعيش في زمن منغمس بالضوضاء والتعجل، ولكنه يعيش وحده، خالياً من صحبة الاخر، لانه مهموم بصحبة نكد العيش.. ولعب هذا الشارع دوراً مهماً في جمع المثقفين الذين فرقتهم الحياة، فأبتدعوا الاحتفالية الثقافة الاسبوعية، بيوم الجمعة، حيث تعرض الكتب علي الارصفة ويلتقي المثقفون في موعد مضروب ليتسامروا في احاديث تطول وتثمر، بشأن الكتب والثقافة والادب، وربما تشعبت الاحاديث فولجوا بعض المقاهي؛ الشابندر، حسن عجمي، البرازيلية، ام كلثوم، ليتسامروا في امر يجمعه الادب وبحبوحة في افق التفكير لاتتنكر للطريف من أنتجة العقول، ولا للمليح من نوادر الضرفاء، ومطارحات الشعراء. ومثل هذا السمر، هو الذي انتج لفرنسا ما انتج في عهد الصالونات، وانتج للعرب ما انتج في عهود المنادر والمقاهي. وحين لم تكن المقاهي الا لاحسية الشراب وحدها، كانت في هذا الشارع لتلاقح العقول قبل التمزمز بالاشربة الدافئة. وتبقي لي ملاحظة علي ما ساقه المؤلف عن رؤية الدكتور مالك المطلبي بشأن اختيار الشاعر المتنبي الشعر مضحياً بنسبة؛ وهذا غير دقيق، لان المتنبي إحتج بشعره علي ضياع نسبه.. فالعيب ليس في نسب المتنبي ولا في شعره، وانما في زمانه؛ المتدهور المنكفي.. هذا هو قدر المتنبي؛ سابق لزمانه، فهبط في زمان لم يصلح له، فبدأ كل غريباً عن صاحبه، ولهذا استغاث من محنته، وطفق يحتج علي الحيف الذي لحقه.. واذا لم يخضع لمقتضيات قدره، ولم يركع لما شاع في عصره؛ عده جيل زمانه مجنوناً، وعد هو زمانه غادراً، اعوج، فبادر يعاند اعوجاجة، ولكي يثبت ذلك راح يصنع من نبضات قلبه الفاظاً كأنه يضعها علي اجسام حية، فعز عليه ان يصوغ قدحات شعره من احتراق دمه ثم يدوسها بشعس نعليه، وكبر عليه ان يخلق شعره خلقاً جميلا ثم يئده ويدفنه.. وملاحظة اخري، ان المتنبي عرف وهو في السجن ان جدته مريضة، فكتب الي الأمير يذكره بحال جدته ويستعطفه لاخراجه من السجن!! والحقيقة هي ان ابا الطيب سجن عام 321هـ بسبب افصاحه عن نسبه العلوي، وليس بسبب ادعائه النبوة، ولم يستعطف الامير والي حمص من قبل الاخشيد ليخرجه من السجن، بل بسبب تشفع احد الامراء فيه، وتعهده بعدم ذكر نسبه. ونحن نربأ باقلام نقادنا الاجلاء التهميز علي نسبة والتلميز علي عروبته، لان شعره مغدق الصحوات واهب الانات،فبدلا من الباسه تاج العز اليانع؛ ضفر له زمانه باقة من التهم حتي غدت قصة تقزيمة تعتصر دمع المقل، وجزت شأفته مسنونة المنجل.. فلقد مني هذا الشاعر في حياته وبعد مماته بضروب من العداوات ولجت به صواعق من النكبات والحزازات، صيرت تاريخية زئبقياً لاتثبت عليه قدم.. وعلينا المبادرة بأنصافه من الاراء المتكدسة المنبثقة من صدور اكلها الحسد واوغرها النفاق بشأن نسبه وتاريخ حياته، وذلك بالتحري الدقيق عن اخباره. موسى زناد سهيل |
|
|
|
|