عبد الستار ناصر يستنطق كائنات البيت |
بقلم منذر عبد الحر | 08/05/2008 |
يطل ّ القاص عبد الستار ناصر بمجموعته القصصية الجديدة الموسومة كائنات البيت علي قرّائه برؤية قد تبدو جديدة علي متابع أعماله القصصية والروائية ومجموعته الجديدة الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة في عمّان تضم عددا ً من القصص الحكايات القصيرة التي كتبها القاص مؤخرا ً . ووضع فيها لمسات خبرته الكتابيّة وميله للبساطة والعمق وسهولة البناء ، إضافة إلي اعتماده علي لمحات حكائية ، مستنبطة من حياته التي يسقطها علي ملامح أبطاله وهو يخوض معهم صراع الوجود ، واحتشاد الذاكرة ، واستحضار الأسماء والمسميات ليسقط عليها حالات شخوصه ، وهم ينتمون إلي ثقافته ، ووعيه ، وإلي الكثير من فصول حياته التي يستلها ، ويعيد نسجها من جديد لتكون نصّا ً إبداعيّا ً ، تتدخل مهارة القاص في صناعة مجريات حدثه . تضم المجموعة اثنين وأربعين نصا ً حكائيا ً ،مع مقدمة قصيرة طريفة دالة علي واقعية القاص ، وفعل الكتابة في العصر الراهن ، كما أنها تنطوي علي اعتراف ( مهني ) إذا صح التعبير ، باح به القاص وهو : تأكد لي بعد أربعين سنة ً من التأليف ، أن كتابة القصة القصيرة أصعب من كتابة الرواية ..... هذه القصص أحبها ، والمهم هو أن تدخل إلي رفوف مكتباتكم ، شرط أن تكونوا قرأتموها طبعا ً . بعد هذه المقدمة الطريفة السلسة التي أسماها القاص ( أحتاج إلي مقدمة ) والتي اجتزأنا مقطعين منها ، يبدأ مشوارنا مع القصص - الحكايات التي يتنقل حدثها مكانيا بين بغداد وروما وباريس وعمان ودمشق وأماكن أخري زارها القاص أو عاش فيها ، كما أن الحكايات انطلق بعضها من واقع محض مباشر لم يحتج القاص فيه إلي التمويه ، أو إلي درج لغة الخيال ، فيما جاءت بعض الحكايات حلميّة تمويهيّة اعتمد فيها القاص نهايات ٍ مفتوحة ً . لغة القاص عبد الستار ناصر في مجموعته الجديدة ، لا تختلف عن لغته في أعماله السابقة ، حيث الجملة القصيرة المبنيّة علي أسس من السخرية الخفية ، والميل إلي المفارقة في الابتعاد عن هاجس الأداء التقليدي ، حد أنه يستدرك مفرداته ، فيشير بقطع مفاجئ إلي عدم رغبته استخدام مفردة ما ، أو تعبير معيّن ، لكنه مضطر لذلك لمقتضيات القص، ومجاراة للحكاية التي تستدعي منه قبول ، ما يعترض عليه أحيانا في اللغة ، هذا إضافة إلي أنه يجنح في جمله أحيانا ً نحو شرارات الشعر ، وخيالات الكلمة ، فلا يوقفه قانون عارض ، وهو يريد الانفلات حتي من النسيج الطبيعي للحكاية المباشرة كما في قصصه ( زلوم الشيخ ) و ( عميقا ً نحو الخارج ) و ( توتي ) و( الشرف الطازج ) و ( الدون مازال يجري هادئا ً ) ، وغيرها من القصص التي اعتمدت النهايات المفاجئة التي تخرج قصدا ً عن نسق الحكاية الذي تنطلق منه ، لتوهم القارئ ولتمنحه حرية تأويل أعمق مما لو سارت الحكاية في ذهنه بشكلها المألوف ، حد أن يباغت القاص قارئه في قصة ( الشرف الطازج ) منبها ً إيّاه تنبيها ً حرفيّا ً طريفا ً هو : ليس من شك ، كما يحدث في الحكايات القديمة البائسة ، أنكم تظنون ، سهوا ً بأن من كتب الشرف الطازج هو عتيل النقّاش ، وليس عثمان أبو الريح ، وأنا مثلكم ، كنت سأظن ذلك ، مادامت البداية تحكي عن شخص مهمل لا أحد يلتفت إليه وليس من أحد يعبأ به ، لكن القصة ليست كذلك ، اطمئنوا !. وكما نلاحظ ، فأن هذه الإشارة تقنية ، خارج الحدث الحكائي ،. لكنها تمثّل توجه القاص ، وطبيعة أدائه التي قد تكون انحرافاً في جسد القصة ، شاء القاص أن يسلكه لإحساسه بانكشاف معالم حكايته ، فوضع لها هذا المنقذ الجميل من الإحساس بتقليديتها ومباشرتها كما أشار لذلك هو نفسه ، ونجح نجاحا ً واضحا ً في لعبته الفنيّة هذه يقول القاص في مستهل مجموعته ، وعلي الغلاف الأخير أيضا ً ، ( عندما يعرف كلُّ واحد ٍ منّا ما يفكّر فيه الآخر ، يبدأ العالم بالانقراض ) ، وهذه العبارة العميقة الموحية بالكثير ، تشكّل موقفا ً جماليا ً وفكريا ً للقاص ، ربما ظهر في الكثير من حكايات مجموعته الجديدة التي تضمّنت أفكارا ً ورؤي ، وقناعات شخصيّة بثها القاص في أجساد نصوصه ، لاسيّما تلك التي تميّزت بالطرافة وروح النكتة ، التي حملت بين طيّاتها عوالم مخفيّة ، قد تنتمي إلي الكوميديا السوداء في بعض مواضعها ، وقد تشكّل بعداً تجريبيا ً في سيرة القاص الغنيّة المثمرة ، كما جاء في قصته ( غريبة عني حلب ) التي وظّف فيها قصيدة بذات العنوان للشاعر موسي حوامدة ، وهو بهذه التجربة يسعي إلي مسعي ، ربما يكون غريبا ً في أساسيّات منطلقه ، إلا أن القاص ناصر وعد بتنميته وتغذيته بنصوص أخري بذات التوجّه . كذلك ضمّن مجموعته قصة كتبها منذ عشرين عاما ً وأعاد نشرها لأنها تنسجم مع توجّه قصصه في هذه المجموعة ، كما عمل في بعض القصص ، علي تجسيد فهمه الخاص لفن الحكاية ، أو القصة القصيرة جدا ً ليقدّم للقارئ مجموعة قصصية جديدة جديرة بالقراءة الممتعة ، لما تضمّه من حكايات أليفة علي جانب كبير من الجنون المحبب ، إضافة إلي احتفائها بالسهل الممتنع الذي يجيده القاص الماهر عبد الستار ناصر . |
|
|
|
|