اللغة كائن حي ومرآة الحضارات الكلمات أخوات يرجعن لجد واحد |
معتصم زكي السنوي | 10/05/2008 |
تمتاز العلوم الاجتماعية عن غيرها من طوائف العلوم الأخري بشدة الصلة التي ترتبط فروعها بعضها ببعض. وعلم اللغة متصل اتصالاً وثيقاً ببقية أفراد فصيلته ونعني بها العلوم الاجتماعية. وذلك أن للظواهر الاجتماعية بمختلف أنواعها آثاراً بليغة في مختلف شؤون اللغة. فنشأة اللغة وأنقسامها إلي فصائل، وحياتها وأنتشارها، وما يطرأ عليها من قوة وضعف وعظمة وضعة، وصرعها مع غيرها من اللغات وأنتصارها وهزيمتها وأحتلالها مناطق كانت تابعة لغيرها، وتعدد مظاهرها تبعاً لتعدد فنونها، وأنقسامها إلي لهجات، والتطورات التي تحدث في أصواتها ومدلولاتها وأساليبها وقواعدها. كل أولئك وما إليه لا يمكن فهمة والوقوف علي أصوله وأسبابه إلا علي ضوء الظواهر الاجتماعية الأخري من سياسية وأقتصادية.. فلا غرابة أذن أن تكون الصلة وثيقة بين العلم الذي يدرس الظواهر اللغوية والعلوم التي تدرس الظواهر الاجتماعية. أثر العوامل الاجتماعية في خصائص اللغة وتطورها تتأثر اللغة أيما تأثر بتقاليد الأمة وعقائدها، ونظمها واتجاهاتها الفكرية، ودرجة ثقافتها ونظرتها إلي الحياة، وشؤونها الاجتماعية العامة. ونوجز القول: تتأثر اللغة بحضارة الأمة إن كل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي التي ذكرنا يتردد صداه في أداة التعبير. لذلك تعد اللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب. فالبوقوف علي المراحل التي اجتازتها لغة ما، وفي ضوء خصائصها في كل مرحلة منها، يمكن استخلاص الأدوار التي مر بها أهلها في مختلف مظاهر حياتهم. فكلما ارتقت حضارة أمة من الأمم وتنوعت حاجاتها وكثرت مرافق حياتها وسما رقي تفكرها وتهذبت اتجاهاتها النفسية، نهضت لغتها وسمت أساليبها وتعددت فيها فنون القول، ودقت معاني مفرداتها القديمة، ودخلت فيها مفردات أخري عن طريق الوضع والاشتقاق والاقتباس وذلك للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة واللغة العربية أصدق شاهد علي ما نقول. كان لانتقال العرب من همجية الجاهلية إلي حضارة الإسلام، ومن النطاق الضيق الذي امتازت به مدينتهم في عصر بني أمية إلي الأفق العالمي الواسع الذي تحولوا إليه في عصر بني العباس ، كان لهذين الانتقاليين اجلّ الأثر في نهضة لغتهم ورقي أساليبها وشمولها مختلف فنون الأدب وشتي مسائل العلوم. الحضارة وتهذيب اللغة ومن الواضح أن انتقال الأمة من البداوة إلي الحضارة، يهذب لغتها، ويزيل ما عسي أن يكون بها من خشونة لتكسب مرونة في التعبير والدلالة. وان مقارنة بين ما كانت عليه اللغة عند أهل البادية وما صارت إليه عند الحضر في نفس العصر، لأصدق برهان علي صحة ما نقول: قال بعض البدو في مدحه بعض الأمراء: أنت كالكــلب فـي حفظك للعهــــد وكالتيس فــي قــراع الخطـــوبوقال آخر بعد أن هذبت قريحته حضارة بغداد: عيون المهــا بين الـرصافة والجسـر جلبن الهوي مــن حيث أدري ولا أدريكما تتأثر اللغة بمظاهر النشاط الاقتصادي فتطبع مفرداتها بطابع خاص وكذلك معانيها وأساليبها وتراكيبها. وقد تختلف مظاهر اللغة في الأمم والمناطق تبعاً لعدة عناصر منها: الاختلاف في نوع الإنتاج وطرق نظم الاقتصاد، وشؤون الحياة المادية، كما تختلف بالنسبة للمهن من زراعة وصناعة وتجارة ورعي أغنام. الخ وقد يؤدي نوع العمل الذي يزاوله سكان منطقة ما إلي تشكيل أعضاء نطقهم في صورة خاصة تتأثر بها مخارج الحروف ونبرات الألفاظ وطرق الأداء. كما نلمس ذلك في مختلف المناطق اللبنانية فابن الشمال من مناطق طرابلس وعكار تختلف عنده مخارج النطق ونبرات الألفاظ عن أبن بيروت أو الجنوب أو البقاع أو جبل لبنان، ولا يخفي أن اللغة كالمرآة ينعكس فيها كل ما يسير عليه الناطقون بها في شؤونهم الاجتماعية العامة. فعقائد الأمة وتقاليدها، ومبادئ السياسة والتشريع والقضاء في دستورها، وحياة الأسرة ومبادئ التربية في معاهدها وجامعاتها وميلها إلي الحرب من أجل السلم أو إلي السلم من أجل الحياة الكريمة، وما تعتنقه من برامج ومناهج في الموسيقي والنحت والتصوير والرسم والبناء وسائر أنواع الفنون الجميلة. كل ذلك وما إليه يصبغ اللغة بصبغة خاصة في جميع مظاهرها: في الأصوات والمفردات والدلالة والقواعد والأساليب...(1). ونلاحظ أن الأمم التي تسير في نظمها الاجتماعية مسيرة واحدة، كدرجة القرابة مثلاً التي تربط الفرد بكل من أسرة أبيه وأمه، فبعض الأمم ينزل هاتين الأسرتين منزلة واحدة فيطلقون لفظة واحدة علي كل من العم والخال (oncle ) والعمة والخالة (tante) وأبن العم وأبن الخال أو الخالة (cousin) وأبنة العم أو العمة أو العمة وأبنة الخال أو الخالة (cousinc). علي حين أن الأمم التي تفرق نظمها الاجتماعية بين هاتين الأسرتين في درجة قرابتها تختلف في لغتها الكلمات الدالة علي أفراد أسرة الأب عن الكلمات الدالة علي أفراد أسرة الأم . واليك مثلاً فيما يعود إلي نظرة الأمة إلي الطبقات الاجتماعية ومبادئ المساواة أو انحرافها. أن ما تسير عليه نظمها الاجتماعية بهذا الصدد يؤثر في مختلف نواحي لغتها حتي في ناحية القواعد. فمخاطبة الفرد بضمير الجمع تعظيماً له: (تفضلوا سيدي)... وأجراء الخطاب في صيغة الأخبار عن الغائب: (يتفضل سيدي). إن مثل هذه الصيغ وما إليها من أساليب التبجيل يبدو في لغة أمة ينحرف أفرادها عن مبادئ المساواة حيث تكثر الفوارق بين الطبقات. لذلك يعد تطور هذه الضمائر في أمة ما أصدق سجل لتطور اتجاهاتها في هذه الشؤون فالصراع في اللغة الفرنسية (tu) أنت و (vous) أنتم في مخاطبة المفرد يمثل الصراع بين روح المساواة ونظام الطبقات في الشعب الفرنسي. لقد كانت الغلبة للضمير (tu) في العصور التي سادت فيها مبادئ المساواة. والضمير الثاني في العصور التي ضعفت فيها هذه المبادئ. |
|
|
|
|