قصة قصيرة : في ظل أمل |
ناطق خلوصي | 10/05/2008 |
خلل الفسحة الضيقة التي أحدثتها حركة الأصابع المتوترة وهي تزيح طرف ستارة النافذة قليلا ً ، ترسل العينان الوجلتان بصرا ً حائرا ً يخترق شعاعه زجاج النافذة ويتناثر علي خواء الشارع المسترخي تحت عتمة أول المساء . لا شيء .. لا أحد . لقد انقطعت أرجل السابلة تماما ً وغابت حركة المركبات ولاذت القطط الجائعة بزوايا الحدائق المنزلية أو تحت الشجيرات الواطئة بحثا ً عن ملاذ آمن ، وركنت الكلاب الضالة الي أماكن غير مرئية وقد خرس نباحها الشرس الذي كان الشارع يضج به من قبل . يظل البصر الحائر ساكنا ً هنيهة ً وما يلبث أن يرتد الي الوراء ، وتعيد الأصابع المتوترة سحب طرف ستارة النافذة ، فتنقطع صلة المكان بما هو خارجه . هذه ليست المرة الأولي التي تفعل فيها ذلك، إذ أن بصرها الحائر يمارس لعبته هذه في أوقات مختلفة من الليل والنهار وكأن هوسا ً تلبّسها في أن تفعل ذلك . لم يعد حتي الآن . هذه هي الليلة الخامسة التي يغيب فيها عنها . سمعها متوفز لالتقاط أية نأمة ، أية حركة ، ومشدود إلي الهاتف النقال بعد أن خرس صوت الهاتف الأرضي منذ زمن . كم أوصيتك يا ولدي أن تكون حذرا ً .. أن لا تقترب من المناطق الساخنة . يرن صوته في أذنها : " إن الخوف لا يعرف طريقه علي القلوب العامرة بالإيمان " وترن ضحكته هذه المرة " تصوري يا امي ! لقد أصبح البلد منقسما ً الي مناطق ساخنة وأخري باردة ، ولا أدري إن كانت هناك مناطق بين َ بين ْ .. أعني مناطق فاترة . تسميات هجين تسللت إلينا خلل الغبار المتطاير من تحت سرفات الدبابات . " . لا تطاوعها أصابعها أن لا تعود إلي ممارسة لعبتها . تلتقط طرف الستارة وتزيحها قليلا ً فتصدم بصرها حلكة الظلام الذي هبط علي عجل .غير أنها حين ترفع هذا البصر إلي الأعلي يلتقي بضوء نجمة نائية ، تلتمع في الأعالي : نجمة متوحدة ، مثله تماما ، وحيدها الغائب الآن . لكأنها تري صورته حاضرة في هذه النجمة النائية . ويضيء في قلبها بصيص أمل ، فتعيد سحب طرف الستارة ، تحكم إسدالها تماما ً ولو مؤقتا ً وكأن هذه الستارة هي جدار حمايتها من العيون المتطفلة أو من شظايا التفجيرات اللئيمة الغادرة . بين حين وآخر تسمع قعقعة سرفات الدبابات وهي تدوس وجه الشارع فتشعر كأنها تدوس علي صدرها وتهرس عظامها . في النهارات ، تري الدبابات والهمرات تجوس الشوارع والأزقة بحركة نزقة ، أو تري الجنود يجوسون الأمكنة في أوقات مختلفة من النهار ، يمرون بوجوههم : المتوردة منها والفاحمة، وكأنهم يمشّطون الأمكنة بعيونهم المترصدة وفوهات بنادقهم المتربصة . تهمس لنفسها وهي تراهم " لماذا جئتم إلينا من تلك الأصقاع البعيدة ، اجتزتم البحار والمحيطات وأنتم تعرفون أن لا خيار أمامكم سوي : أن تميتوا أو تموتوا ، وكلا الخيارين علقم . وكأنه ، ولدها ، سمع صوت همسها الداخلي يوما ً ، فقد قال لها : " إنهم ليسوا مخيرين يا أمي . لم يأتوا إلينا عن طيب خاطر ." لا تنكر أنها تعطف عليهم أحيانا ً أو ترثي لحالهم فهم في ريعان الشباب : في سن ابنها أو أكبر منه قليلا ً وربما أصغر منه . لماذا يكونون طعما رخيصا ًً في شباك الموت ؟ لا تشك في انهم تركوا وراءهم امهات وزوجات أو حبيبات وخبأوا في صدورهم أحلاما ً مؤجلة . لم يعد حتي الآن ! ولكن من قال انه ليس معها ؟ ها انها تسمع خرير الماء قادما ً من الحمّام . لعله يستحم الآن . تذهب الي هناك وتري الباب موصدا ًوتصيخ السمع شأعرة كأن رشيش الماء البارد يتساقط في روحها ، ويخيل اليها انها تسمع صوته وهو يدندن باحدي أغاني فيروز الأثيرة لديه . تستبطئه فتمد يدها الي أكرة الباب . تديرها وتدفع الضلفة بهدوء وحذر خشية أن تثير غضبه . لايريد أن تراه وهو عار ٍتماما ً . لقد صرت رجلا ً ياولدي . ترتد ضلفة الباب عن آخرها بحركة متوترة فتداهمها عتمة المكان . تنتابها حالة وجوم مفاجيء . ياالهي ! انه ليس هنا . ماتلبث ان تنتزع نفسها من وجومها . لا بأس . قد يكون في مكان آخر . تمد اصبعا ً وتضغط علي زر المصباح الكهربائي فينبثق ضوء يضيء المكان بوهج بلون الحليب فتشعر بالراحة . انك لا تحب الظلام ياحبيبي . أعرف ذلك . لعله في المطبخ الآن . يخيل اليها انها تسمع صوت ارتطام أوانٍ بحوض غسيل الأواني هناك . ما هذا الذي تفعله ياولدي؟! لماذا لم تطلب مني أن اعدّ لك ما تشتهي من طعام ؟ لكن لابأس فأنت ترفع شعار : اخدم نفسك بنفسك . تقول لي : لقد تعبتِ كثيرا ً يا امي ولا اريد أن ازيد من تعبك . دعيني انوب عنك في القيام بما استطيع القيام به . تسير صوب المطبخ ، تقف هنيهة ً ساكنة ً ، وكان قد خيّل اليها أن تراه منكبّا ً علي عمل ٍ ما ، غير ان السكون يصدمها لآ بأس أيضا ً . لعله في غرفته : يقرأ او يجلس الي حاسبته ، عشقه الأبدي . كان في غاية السعادة حين ظهر اسمه بين المقبولين في قسم هندسة الحاسبات ، وها هو في سنته الأخيرة ، مفعما ً بالأمل في أن يكون مهندس حاسبات يملأ اسمه الكون كله . عندما كان يري ملامح الخوف والقلق ترين علي وجهها ، كان يطوّق عنقها بذراعه وتسمع جرس صوته العذب : لا شيء ثابت أو مستقر يا امي .. كل شيء آيل الي زوال الاّ ارادة الانسان وتشبثه المشروع بالحياة . ترتقي السلّم بأناة وتقف أمام باب غرفته الموصد . لابد من أنها ستسمع تكتكة حركة أصابعه وهي تتنقل بين مفاتيح الآلة الكاتبة . لا صوت . لعله يقرأ اذن ، أو لعل سِنة من نوم سرقته . هل تطرق عليه الباب ؟ لن تفعل ذلك . لعله يحلم الآن وهي لا تريد أن تفسد عليه حلمه . تنتظر لكن قلبها لا يطاوعها أن تنتظر أكثر . تستبطئه مرة اخري ويراودها القلق . تمد يدا ً حذرة وتدير أكرة الباب وتدفع الضلفة بهدوء . السكون مرة اخري .. الظلام مرة اخري . تمد اصبعا ً وتضغط علي زر المصباح الكهربائي فيتوهج وتمتليء الغرفة بالضوء . لم يعد بعد إذن ! لكنه سوف يعود . هكذا تحدثها نفسها . سيعود في أي وقت . عند منصف الليل أو في الهزيع الأخير منه ، وربما في بواكير الفجر . ولكن حذار ياولدي . ايّاك أن تعود في الظلام فأنت لا تحب الظلام ، أما أنا فأخشي أن تتعثر أو تزل قدمك في حفرة فتسقط ويحدث لك مكروه . هبطت السلّم ببطء وكأنها لا تريد أن تبتعد عن غرفته وكان نسغ الأمل يصعد في روحها وهي تنزل درجات السلّم . وإذ صارت في الأسفل ظل بصرها معلّقا ً بالأعلي . أزاحت طرف الستارة ورأت السماء تمتليء بعناقيد من النجوم . تأملتها طويلا ً بحثا ً عن نجمتها الوحيدة الضائعة الآن بين عناقيد النجوم . لا يهم .. يكفي انها مضيئة أينما كانت . هبطت بجسدها علي أريكة قريبة دون أن تسدل ستارة النافذة هذه المرة ، ألقت براسها الي الوراء مسترخية ً ولا تدري كيف سرقتها سِنة من نوم . فتحت عينيها وهتفت بإسمه ولم تتلق ردّا ً . أحست بضيق في الصدر شعرت معه كأن المكان يضيق بها علي سعته . ساورتها رغبة في البكاء ، فأجهشت لكنها سرعان ما كفكفت دموعها . لا يليق بها أن تبكي وهو غائب . والآن أزاحت ستارة النافذة علي سعتها وكأنها تفتحها علي عالم رحب ، وما لبثت أن لاذت ساكنة ً ، في ظل أمل |
|
|
|
|