تحت غيمة الفطر الكوكبي..حوار مع الناقد والروائي محمد قاسم الياسري |
حوار اجراه جابر محمد جابر | 11/05/2008 |
انت من المنتظرين،واعرف عن مخطوطاتك الروائية والسردية والنقدية الكثير ، ماذا تنتظر لكي تهب الى النشر؟ انا انتظر واتحين منذ اكثر من ربع قرن ، فاذا اضفت الى ذلك خمس سنوات اخر ، لايضير شيئاً ،فالعمر قد تبدد والكلمة الحقيقية تبقى حكراً على فم الخلود ، فهو المخول باطلاقها ساعة يشاء.
*انا افهم ان الانفتاح السياسي والثقافي هو الذي يبحث عنه المثقف المغبون.
ان الانفتاح الذي تتكلم عنه اذا لم يترجم على شكل تفهم واضح من لدن جميع الفرقاء ، والمباشرة بتجسيد الحوار الوطني والمصالحة الوطنية ، لايمكن ان نتكلم عن انفتاح وديمقراطية وما الى ذلك ، ثم ان المنتظر يحتاج الى من ينشر له ، يتبنى كتبه وكلماته ، يصدرها بطبعات تتاح للجميع ، فأين دور النشر في خضم هذا الزخم من الخراب والاحتراب؟
*لنبدأ من اول الشوط ونتكلم عن الشعرية ، فلقد ابتدأت مبكراً كشاعر ،وكنت احد رواد قصيدة النثر في ميسان او في المنطقة الجنوبية من العراق.
ـ لقد انتهى زمن الشعر ،وهذه احدى نبوءات (هيجل) المانيا ،ولم يبق منه سوى القصيدة الغنائية ، لقد تحول الزخم الاكبر الى (جامع النص) مثلما يسميه (جيرار جينيت ) الفرنسي ، و (النص المفتوح) مثلما يحتفل به العراقي (خزعل الماجدي) اتعرف ماذا يعني مصطلح (جامع النص) او مصطلح (النص المفتوح) وهما اجرائياً مصطلح واحد متحصل على جهاز مفاهيمي واحد ؟ انه يعني موت الشعر وذوبانه في الحقل النثري ، وبمعنى أكثر دقة ، يعني استيعاب السرد (هذا السفاح الكبير) لكل تشعيرة كبرت ام صغرت ، تعالت ام تقزمت ،داخل هاضمة كتابية بمقدورها استيعاب كل الاجناس الادبية والاغارة حتى على النوع المحاذي للنوع الادبي واقصد العلوم الانسانية من فلسفة وسياسة واجتماع وانثروبولوجي واثنوغرافي وميثولوجي وتصوف وعلم نفس ..الخ ،لقد صار الشعر احد مكونات شعرية السرد وخطابه الواسع المتمدد والمستطيل دوماً ،نحو الافقية او نحو العمقية ،سواء بسواء.
*افهم من هذا ان الشعر بكامل قيافته ولغته واستعاراته ومجازاته وتأريخه الموازي والمزاحم للتاريخ العام والمشكل لتاريخ الثقافة بوجه خاص قد استوعب داخل الهاضمة السردية هكذا ببساطة؟
ـ واكثر من هذا ،لقد تلاشى وتبدد بعد أن افرزت هذه الهاضمة عصاراتها المذيبة عليه وتمثلته بالكامل وها هي تغتذى على طاقاته وتطلقها على شكل طاقات وتوهجات شعرية ولكنها ليست من الشعر بشيء، فنتازية ولكنها ليست من الفنتازيا بشيء،تاريخية ولكنها لاتشبه التاريخ.انه قانون التطور العام الذي يطال كل شيء في الحياة،وربما هي (النهاية)ولكن ليس على طريقة (فرانسيس فوكوياما) وقد تراجع عنها بسرعة.نرى انه لم يكن من باب المصادفة أن الادب منذ ان عمم (فردريك نيتشه) مقولات (امونوئيل كانط) وطورها ـ قد ازداد قوة في توكيد حقه في اختياره القاطع والخاص للاشكال السردية ،مثلما اصبح التدوين التاريخي مبدأ اكثر زيفاً وايهاماً بعد ان ادركنا ان اساليبه تستند الى حد لم يكن متوقعاً على الاساطير والملاحم والقصص ، لقد اصبح من الممكن القول بعد (نيتشه ) كما قال (ستيفنس) ان (الايمان النهائي يجب ان يكون بالقصص ).يرى ان التفكير بهذه الطريقة يعني تأجيل (النهاية) اذا ما امكن القول ان القصة تواجه الواقع ـ تاجيلاً ابدياً ،بأن نجعل منها قصة ،لحظة متخيلة ، عندما يصبح اخيراً ، عالم الحقيقة وعالم القصة شيئاً واحداً ، ان قصص النهاية تشبه اللانهاية زائداً واحداً ، او الارقام الخيالية في الرياضيات ،وهذا شيء نعلم انه لا وجود له ،لكنه يعيننا على اضفاء المعنى على العالم وعلى ان نتحرك فيه ،تجد هذا الكلام مصادقا عليه من قبل البروفسور (فرانك كيرمود) مبكراً في كتابه المهم (الاحساس بالنهاية) وقد تعاون على ترجمته الى العربية كل من : الدكتور عناد غزوان وجعفر الخليلي وصدر عن دار الرشيد للنشر (بغداد ) 1979 فتأمل واتعظ.
*كيف يكون ذلك ؟ارجو توضيحاً اكثر.
ـ في فتوحات (بول ريكور) الاخيرة وخاصة في كتابه المتبحر (الزمان والسرد /ثلاثة اجزاء ضخمة) وكذا في مصنفه الكبير الاخر (الذات عينها كاخر) جاهد لتوضيح هذه النقطة بالذات، فقد اكتشف ان هناك علاقة ديالكتيكية بين بين تاريخ امة معينة والقصة المتخيلة تنتج منها الهوية السردية الجماعية،لذا فان التاريخ يصبح قصة مروية ،وتصبح القصص التي ينسجها خيال الامة تاريخاً ،ويتلاقى الزمان الكوني الخارجي مع الزمان الداخلي المعاش .ان القصص الادبية وقصص الحياة هي ابعد ما تكون عن عملية الالغاء المتبادل،بل انها تتكامل على الرغم من تباينها ،بل بفضل تباينها ،مثل هذا الديالكتيك يذكرنا بأن القصة تشكل جزءاً من الحياة قبل ان تهاجر من الحياة وتنفي نفسها في الكتابة ،انها تعود الى الحياة بحسب الطرق المتعددة للتملك وعلى حساب اثارة توترات عالية لاتخمد.
*وماذا بشأن الشعر ،اليست من مهمات الشعر المساهمة في صنع الحياة واثراء الوجود وكتابة التاريخ؟
ـ للاسف ،لايوجد شيء من ذلك منوط بالشعر،لانه ببساطة قد احتفل بمباهج البلاغة من مجاز وكناية واستعارة وتورية وجناس وما الى ذلك من مباهج اسطرة الواقع ،وتعويم اشكالياته،وبذلك ضيعت الحقيقة وقول (الحق) في لجية من التلوثات والاختلاطات الهلوسية.انم الشعر لايسعه أن يضع النقاط على الحروف ،لايسعه ان يسهم في فهم (انطولوجيا الحاضر)،لايسعه الا ان يكون وسيطاً غشاشاً.فأنت عندما تقرأ قصيدة حديثه لاتعرف أهي معك ام ضدك؟ أهي مع الظالم ام مع المظلوم؟ أهي ترحب بالكولونيالية وقد عادت من جديد ام تحث على مقاومتها؟ لقد غدا الشعر مثل التكنولوجيا حينما اخذ عنها حياديتها فالتكنولوجيا تخدم في الحرب مثلما هي تخدم في السلم سواء بسواء لذلك ينبغي الحذر من حياديتها المقيتة المراوغة لقد أخذ الشعر على عاتقه الخوض في الهوامش التي تجري خارج سياق الحياة الموارة ونحن نعرف جميعاً ان الهامش يؤشر الى نوع المصدرية وجذر المرجعية ويبقى المتن لوحده مسوؤلا عن حضور الاسماء ومسمياتها الكلمات وعلامات المائزة وحمولاتها المرحلة من الهامش الذي لايتحمل مؤشرات خلق الانطباع الحقيقي القاسي والصادم فما بالك بالمسارد والاستنطاقات والتأويلات؟ ان المتن يشكل نقطة الركح الاصلية المنفتحة على كافة الخيارات والرهانات بالعكس من الهامش المكتوب بالحرف الصغير المبعد الى اسفل الصفحة او الى اواخر المتون وهو ينعي عزلته ووحشته التي يرثى لها ولاجل ان لا نهدر المزيد من المداد احليكم الى كتاب (الثقافة والامبريالية) لادوارد سعيد فهو من اروع الكتب التي تطرقت الى موضوعة في غاية الاهمية ، وهي علاقة الرواية بامبريالية ،فلقد توسعت الامبريالية وهيمنت على ما هيمنت عليه بفضل تطور تقاناتها العسكرية وكذلك بفضل توفرها على كتاب سرديين عظام انتجوا روايات كبرى هي بمثابة حكايات كبرى تسوغ للامبريالي صنائعه وفضاعاته وفي الوقت نفسه تقنع المنكوب بعبثية مطاولته للقوة الجبارة التي اكتسحت جغرافيته ومسخت تاريخه وسرقت موارده . ومن خلال توصلاته الغنية ،لم يعرج (ادوارد سعيد ) ذلك العقل الثاقب الى ايه قصيدة او شعرية غريبة / امبريالية ،لانه لا وجود لها الاطلاق بعد ان تسيدت (الرواية) والسرديات الاخر على عقول القامعين والمقموعين على حد سواء.
*ما الذي يثيرك في السردية العراقية؟
ـ اعمال كثيرة ،منها ما صدر داخل العراق ومنها ما صدر خارجه ،وانا بصدد قراءتها وعقلنة كتابة اولى عنها تدخل ضمن المعقول الوطني العراقي الان ـ هنا ،لقد طويت صفحة الماضي بكافة انتصاراتها واخفاقاتها منذ وطأت اقدام المحتل ارضنا في 9/ 4 /2003وكنست الفتات من على وجه المائدة .نحن ازاء اعمال جديدة وافكار راديكالية مغايرة ،تكتسب جدتها من جديتها ،لقد ابتدأ الامتحان بسيف وقنبلة وانتهى زمن الاسترخاء والصعلكة والدجل والضحك على الذقون،فالساحة مفتوحة،والذي يمتلك ادوات الفارس الحقيقي عليه ان يشمر عن ساعدية ويتكل على الواحد الاحد ويخوض غمار المطاولة في حومة ليس لها نهاية او استقرار في المدى القريب.لقد انتهى زمن التستر على الاخطاء والسوءات والمواهب الرثة وابتدأ زمن المواجهة:مواجهة صراخ الطفل وغسليه الوسخ.يجب رمي الطفل والغسيل الوسخ وراء ظهورنا والاستعداد لاسترداد ما اخذ منا من شرف وكرامة ،بدون تلبيس ولا هلوسات ولا غموض .فالغموض يظهر عندما يحال ما هو في الواقع زماني الى مكاني وبالعكس.
*هذا تطرف في طرح الامور.
ـ الوصول الى درجة التطرف معناه الوصول الى سن اليأس عند المحارب ،فاحذر ان توصم احداً بهذه التهمة.في يوم ما قالت الالمانية (حنة ارندت) صديقة (هيدجر) الاثيرة في كتابها (اسس التوتاليتارية) يتبدى العنف والوحشية فضائل لاولئك الذين كانوا قد فقدوا مكانهم في العالم وباتوا من الفخر بمكان بحيث يابون التماس نظرية في السلطة تخولهم الاندماج ثانية في العالم ،في امان مطلق ،وكانوا يكتفون بأن يكونوا انصارا عمياً لكل ما كان المجتمع المحترم قد حذفه ،دون اعتبار لنظرية او محتوى ، وجعلوا يرفعون القساوة الى مصاف الفضيلة الاصلية لكونهها تناقض الخبث الانسانوي والليبرالي الذي يهديه المجتمع.
*وما موقع الارهاب من كل هذا؟
ـ كل الارهابيين خطرون بالنسبة للمعرض للارهاب كهدف ،ولكنهم (أي الارهابيين ) يشكلون سوقاُ مربحة ومهمة لرجال الاعمال العالميين والعولميين.
*انت قلت قبل قليل ا ن صفحة الماضي قد طويت بكافة انتصاراتها واخفاقاتها حالما غزا بلدنا الاجنبي؟
ـ حتى لانزعل احداً ،لنضرب مثلاً بعيداً ،لقد امضى (اريجيس دوبريه ) مؤلف كتاب (ثورة في الثورة ) وصديق (تشي جيفارا) ورفيق الثورة الكوبية واليسار في امريكا اللاتينية ،فترة السجن في بوليفيا لمشاركته في تمرد قادة جيفارا الثورات ،واليوم مع قوله (انني احافظ على موقفي الثوري في امريكا اللاتينية ) فهو يعمل لدى الحكومة الفرنسية سكرتيراً عاماً للمجلس الفرنسي في جنوب المحيط الهادي ،ويشرف على ماثر مهمة مثل تجارب فرنسا النووية وسياستها في سحق الصراعات ضد الاستعمار في كاليدونيا الجديدة وغيرها من المستعمرات والمناطق الفرنسية في المحيط الهادي ، ولا يرى في نشاطاته الجديدة تلك أي تناقض.
*لقد هربت بطريقة ذكية من سؤالي الجوهري:ما الذي يثيرك في السردية العراقية؟
ـ لايمكن ان اجيبك بجدية ولا بحيادية ولا بنصف دبلوماسية ،لان ذلك لايرضي فضاء ثقافياً مستفزاً ومستنفراً اصلاً،ولكنني سأضطر للمغامرة واتكلم عن (علي بدر) المحتفى به عربياً ومتروبولياً.فعلي بدر من خلال كتاباته المكررة والمتواترة وما طرح فيها من مسأليات ومصادرات،من النوع الذي لايمكن للمرء ان يمر من امامه مرور الكرام ،فاما يقف معه او ضده ،حالة حال كل اللاعبين اللامعين في الساحة ،وقبل ان اقول قولتي عنه (وقد دبجتها في دراسة ضخمة عسى ان تخرج الى النور قريباً)لابد من التأكيد بداية على انه يمتلك الامكانية الوصفية البانورامية التي تجعله في مصاف الروائيين المرموقين ،فضلاً عن رصده لحركة الشخصيات داخل الحاضر السردي المشخص بدقة،ثم موهبته في ادارة الحوارات والمصائر البشرية ،وصنعته الحرفية الممتازة في صياغة حركة السرد ككل ،وبراعته في نسج القصص وتاليف الحكايات وفبركة المواقف المشحونة بالسخريات،وسنوبيته العجيبة(نفاجته الاستعلائية او نفاجة ساردية العليمين) وهو يتحدث عن مئات النساء الفاتنات وتجاربه معهن وهي تتلون بأكثر من اطياف الموشور،خالقاً من وراء ذلك العالم العاج بالاناث متاهة سحرية طالما اثارت انتباه معظم القراء ،ولاجل اضاءة عالم (علي بدر) الروائي ينبغي تثبيت عدد من المفاهيم الاساسية التي يعتمد عليها ويكررها في كل رواياته،وبشكل خاص المفاهيم المترابطة الاتية:
النظرة الاستشراقية ،التلقين الايديولوجي،محو الشخصية وبالتالي محو الهوية الوطنية وتزييف التاريخ العام،مرويات الدرجة الثانية،تعقيل ما لايعقل ،وما يقابل هذه المفاهيم الفكرية من مقابلات ادبية ـ سردية :هشاشة التناول الادبي ،فقدان الهوية السردية وبالتالي المحلية ،تحطيم مرويات الدرجة الاولى ،تضخيم السذاجة مقابل تقزيم الفطنة العامة ، الخواتيم المرتبكة وغيرها من الجزئيات الكثيرة التي تعتمدها المعايير والحساسيات الادبية ،ذلك ان هذه المفاهيم وهي مترابطة ومتداخلة مع بعضها بقدر تعلق الامر بالموضوعة السردية بشكل عام ، شكلت اساساً منهجياً في محاولة تقصي مصير (المرويات الكبرى) التي حاولت وتحاول الانسانية من خلالها تعقل نفسها وما لها وما عليها ،ولان الترابط والتداخل القارين يحتاجان بالضرورة الى شيء من الالزام والتحكم والسيطرة النقدية ،فعلى القارئ ان يركز جل جهده في الحرص على ازدواجية القراءة والمحافظة على صون النفس النقدي حتى اللحظة الاخيرة ،لاننا نعتقد ان (الرواية )هي الجنس الادبي النموذجي والمثالي الذي يجعلنا ندرك انه لا وجود لخط فاصل فيها بين عالم الاشياء وعالم الكلمات بين التاريخ والعاب المخيال ،بين الحقيقة النصية والحقيقة الواقعية،وبذلك نكون قد وعينا تماماً (بعد نهاية المطاف القرائي ) ان العالم مكون من مجمل حقائق وليس من مجمل اشياء ،والكلمات عبارة عن افعال موقعنة ايضاً،وقبل النظر في المعاني الصغيرة والدلالات الكبيرة ،لنتفحصها اولاً في افق ذكرياتنا وانطباعاتنا وتفكراتنا ،فسنجد انها احداث وقعت في العالم المحسوس (او العالم المفترض ) قبل ان تدجن على الورق في صيغتها الكتابية ،النصوصية الاخيرة.
*هل من الممكن ان توضح لنا بعضاً من هذه المفاهيم،ولتكن محو الشخصية عند علي بدر؟
ـ ان الصحو التفكري عند شخصيات (علي بدر) لا يتحقق الا امام انطولوجيا الجسد الانثوي.
وكأن الجسد الانثوي صار مرجعاً محدداً لنوع الشخصيات وهويتها ورسم خطاطة العمل الادبي كله بما فيه دلالاته الغائية النهائية ،فالاغناء التبادلي الذي يتم عبر مزدوجات الصحو التفكري/ انطولوجيا الجسد الانثوي،السارد العليم/المسرود له ،المؤلف الحقيقي /المتلقي الاخير ،اغناء يتم عبر ومع تاريخ وصفي خاص بالقراءة وحدها والنفوذ الفعال لاليات تاثيرها ،فاصلاً كل طرف من المزوجات الانفة عن تاريخه الشخصي او التاريخ العام الذي يسبحون في لجيته ، معتمداً ومراهناً على هوية جديدة مكتسبة بفعل القراءة ، تتمفصل او تنتج الا ضمن البعدد الزمني للقراءة نفسها، ،مولدة ذاتاً ثانية (هوية ثانية) هي ليست الهوية الذاتية المتطورة مع تقدم الزمن ،بل الهوية الجديدة المتخثرة ، المتوقفة ، المنتظرة انتهاء العمل ونفض اليد من القراءة وبروتوكولاتها الادبياتية .ان التقاطع والتشابك بين هويتين منفصلتين :هوية الكتابة ـ هوية القراءة هوية الشخصية المتخيلة ـ هوية الشخصية التاريخية ،هوية الزمن القارئ ـ هوية الزمن المقروء ، الهوية القارة ـ الهوية التي ستتشكل بضغط من التلقين الايديولوجي ، هي التي راهن عليها (الصحو التفكري ازاء انطولوجيا الجسد الانثوي (لصرف الانتباه عن كل ما عداها من مشكليات وصعوبات تتعلق بالهوية المنتصرة المجسدة للذاتية والعينية ،المدرعة ضد تقلبات الفوضى والشتات ،ومن هذا المنظور وعبر هكذا نسق ،درات كل القصص غير المحايدة اخلاقياً وسياسياً وبادارة (وسيط غشاش) لعب دور السارد العليم ، وبدرجة اخف وطأة يمكن ان يسمى السارد العليم عند (علي بدر) بانه الشخصية التي نسبت اليها محمولات من انواع مختلفة كالهوى والهوس والولع والوله الذي نجده في كل رواياته بكميات كبيرة ،فالمؤلف الحقيقي يمحضه ثقة مطلقة في كل تحركاته وهي تخلق نسقا دينامياً وحراكاً تخييلياً بين الاسباب والنتائج ،لذلك صادق (علي بدر) على كل ما جاءت به القاعدة الذهبية للحكي الكلاسيكي : ان تكون سارداً دكتاتوراً عليك ان تسرد اكثر ، متناسياً المسلمة الحداثوية التي تقول :ان السارد الديكتاتور يضارع او يعكس السياسة الديكتاتورية.
*ما رأيك بالتحليل النفسي بصورة عامة وعلم نفس الابداع بصورة خاصة؟
بالرغم من كل انكارات سيجموند فرويد الاستراتيجية وبالرغم من كل الاحترازات السياسية التي عبر عنها طوال حياته بخصوص الجوهر الشمولي اللايهودي للتحليل النفسي فانه ينبغي على التحليل النفسي ان يتشرف بكونه يهودياً بكونه علماً يهودياً بشكل اساس بشكل جوهري بشكل جذري بكونه يهودياً بمعنى مختلف عن الزعم المعادي للسامية في حين يكشف الحقيقة التاريخية للعداء للسامية هذه الملاحظة استرجعها جاك دريدا المفكر اليهودي الكبير في كتابه حمى الارشيف الفرويدي وقد كرس هذا الكتاب برمته لمعرفة هذا السر التاريخي / العلمي الخطير: هل كان التحليل النفسي علماً يهودياً بامتياز؟ ولاجل المزيد من الفضح والفهم والادانة ومن مبدأ ندينهم من اقوالهم وتفوهاتهم سنسوق الملاحظة الاتية: في عام 1977 دعيت انا فرويد من قبل الجامعة العبرية بالقدس لتدشين احداث كرسي جامعي يحمل اسم ابيها المتوفى منذ زمن طويل فرويد ونظراً لعدم تمكنها من الذهاب الى هناك ترسل هي ايضاً بياناً مكتوباً في هذه الوثيقة ـ الارشيف التي يستثمرها بييرو شالمي بلهفة تصرح آنا من بين اشياء اخر : ان التهمة الموجهة الى التحليل النفسي بأنه علم يهودي في ظل الظروف الراهنة يمكن ان تفيد كلقب شرف فقس على ذلك.
*سؤال شخصي اخير: انت تعلم جيداً ان الاساتذة الاكاديميين والعلماء والمثقفين والاطباء والمهندسين حاليا هم هدف للابادة هل تخاف الموت؟
لم أكن الوحيد الوحيد المقتنع بأنني يمكن ان أتعرض للقتل في اية لحظة من لحظات الرعب الامريكي ـ العولمي الذي سيطر على حياتنا منذ 9/ 4 /2003 وحتى الان لقد أصابنا الفائزون بالشلل التام انهم فرحون بمذلتنا الوطنية يجاهدون في زرع الاحساس بالذنب في كل الشعب في جميع اجزاء الوطن وهم يعرفون اننا مخنوقون في كيس واحد ولكنهم يحرصون على ان يهبواالى قمة الكيس حيث تنفس الهواء الطلق وابقاؤنا في قاع الكومة ان الموت بوصفه هاجساً يومياً مخيفاً موجدوداً وجود السموم في كل ما نقتات عليه ونشربه ونتنفسه ولايحتاج الى السياسة لكي تلقنه لنا او تبرمجه علينا الموت يجيء بسهولة وسرعة خاطفة بشرقة ماء او بقنبلة لكنه يأخذ معناه الانبل عندما يظهر بقرار فردي يخدم الجماعة التي شارفت على الموت ان مجرد انتقاله الى مركز التجربة الفردية يمنحه سمواً لانه سيشكل حافة حادة لقطع مستقبل الموت الذي يتربص بالجماعة وهذا ماتدعوه الجماعة بالخلود لان في خلودها يكمن خلود الفادي من اجلها من اجل خيارات نوعها وجنسها ولهذا نجدها تفرز موتاها باستمرار كلما اندفعت الى غموض المستقبل ان دائرة الموت وهي تتمحور حول هذا العقل المولد للحياة وتنتشر باستمرار الى دوائر اوسع واكثر فاعلية هو الذي يحافظ على التوازن الدقيق المانح للثقة بين عالم الشهود وعالم الغيبة وهما يتوازيان بانتظام ونسق صانعين في توازيهما قائمة الاحتمالات التي تجاهد في اقناعنا:
ان الاستخدام الاكثر خبثاً للحياة هو الذي يورطها بالامتثال للموت المجاني. |
|
|
|
|