إغماض العين أم إغماض العقل؟ |
سعد عباس حمد السوداني | 11/05/2008 |
تؤكْد الكثير من الدراسات والبحوث العلمية أن صناعة القرار تتأثر في أحيان كثيرة بعوامل ومتغيرات خاطئة قصدية تنحرف بالقرار عن مساره الصحيح وتدخله في متاهات عشوائية عبثية لا تفضي سوى الى الفشل الذريع أو الى نتائج كارثية تمس جوهر التاريخ الانساني تفصح عن ذلك الكثير من الوقائع والاحداث التي عصفت بالتاريخ الانساني للأمم والشعوب والجماعات والأفراد. هذه العوامل والمتغيرات والمؤثرات التي لا يمكن أن نجد لها تبريراً علمياً موضوعياً يخضع لمتطلبات الحكمة والمنطق أو موجبات العقل في سياقه التاريخي تجعل من القرار كارثياً دونما مسوغ معقول سوى أن لها عوامل ذاتية أنانية منحرفة ضاغطة تتم عن خلل وتناقض صارخ بين المنظومة القيمية (المفترضة ) التي يفخر ويتفاخر بها شعب ما وبين مجموعة الممارسات والسلوكيات الحقيقية الحاكمة لمجمل العلاقات الاجتماعية والحراك الثقافي والسياسي لهذا الشعب بأوساطه المتنوعة الاجتماعية والسياسية والثقافية ولعل في مقدمة هذه الممارسات موضوعة (الهويات الفرعية) الدالة على الانتماء العشائري او القبلي أو الحزبي او الطائفي الضاغطة جوراً وتعسفاً وتغيباً على الوعي بأهمية ومصلحة الجماعة على الفرد والوطن على الطائفة وبالتالي على (الاستقلالية الشخصية) التي يجب أن تكون الركيزة الاساسية التي يرتكز عليها صانع القرار اياً كان أنتماؤه أو منصبه أو فضاؤه الذي ينتمي اليه . ان الرؤية الموضوعية الشاملة للواقع الاجتماعي والسياسي العراقي الراهن كذلك الجرأة والاقتحامية التي يجب أن يتسم بها النص الفاحص الناقد للمشهد السياسي والمكفولة دستورياً والفضاء الاعلامي المفتوح آلان للجميع تجعلنا وبلا ادنى تردد نؤشر انه أي المشهد العام للوضع الراهن لايتسم بالحد الادنى للثبات والاستقرار ومن هذا المنطلق نقول ان ثبات الرأي والموقف لدى المواطن العراقي بوجه عام ظاهرة منحسرة ومما يؤسف له انها بدأت تنخر في الوسط الثقافي بشكل خطر ولذلك أسباب كثيرة لعل في مقدمتها (سايكولوجية ) المواطن العراقي التي تتسم بالمزاجية وعدم الاستقرار وسرعة استجابته وتأثره بما يحيط به من اراء تتسم بـ (شدة انتشار عالية) على الرغم من عدم ايمانه بها احياناً فضلاً عن تعددية الولاء السلبية للمواطن عشائرياً ودينياً وحزبياً والتي توقعه في اضطراب وتناقض صارخ سواء حين يسهم في صناعة القرار أم يصوت له بسبب الضغوط المتناقضة لتعددية الولاء مثل ضغط الولاء المذهبي المناقض احياناً للولاء الحزبي وهما بدورهما قد يتناقضان ولا ينسجمان مع ضغط ثقافته الخاصة لذلك نرى ان المرحلة الحالية تقتضي عملاً دؤوباً باتجاه تنمية الاستقلالية الشخصية الواعية والمبصرة المدعمة بالوعي والنزاهة والامانة والحيادية الايجابية في طرح الرأي وصناعة القرار او الاسهام به لدى المواطن العراقي وتدريبه على الثبات ما استطاع لذلك سبيلا وان لايكون عرضة لتجاذبات وقوى تأخذه مرة يميناً واخرى شمالاً وان يسدد فكره بالاتجاه الذي يخدم الوطن لا الطائفة او العشيرة أو الحزب ولما كان للمثقف دور فاعل وحيوي ومؤثر في الحركة العامة السياسية والاجتماعية والثقافية فعليه أن ينأى ليس في مواقفه المعبرة عن هذا الدور فحسب بل وفي نتاجه الثقافي بوجه عام عن النزعة الذاتية الانانية الضيقة المعبرة عن ولائه ولابد له من ان يتمتع بأستقلالية شخصية مبصرة متى ما كانت ضرورية وفي مسارها الصحيح ولا يعني ذلك بالضرورة أن مواقف المثقف وتوقيعه على القرارات يجب أن تكون مخالفة لانتمائه او ولائه أو طائفته او حزبه دائماً قصدياً ومكابرة ونكاية بها وتحت لافتة الاستقلالية الشخصية لأنها ليست عمياء دائماً بل مبصرة في أحيان كثيرة حين تكون دوافعها مسوغة يحكمها العقل والمنطق والمصلحة العامة ومن هنا نرى أن على المثقف ان لا يتخندق في خنادق الطائفة أو العشيرة أو الحزب مصوباً بندقيته باتجاه الاخرين مغمض العقل قبل العينين المستعملة وغير المستعملة عن رؤية الصواب واْلحق.. |
|
|
|
|