دوجافو ...! |
د. مراد الصوادقي | 12/05/2008 |
لدوجا فو Déjà vu كلمة فرنسية تعني شوهد من قبل.وهي ظاهرة سلوكية واضحة في حياة البشر على المستوى الفردي وربما تمتد لتؤسس لسلوك الجماعة أو المجتمع بأسره. وفيها يتوهم الشخص بأنه مرّ من قبل بالتجربة التي هو فيها. فقد يدخل في مكان لأول مرة ويشعر أنه قد رآه وألفه في السابق ،أو أن يمر بحالة جديدة ويحس أنها قد حصلت له،وكأنه يكررها ويعيدها بذاتها فيعيش تجربة حاضرة ومستقبلية ويحسب قد عرفها سابقا. وهذه الظاهرة تحصل نتيجة لاختلاف مستويات تسجيل التجربة في الدماغ أو بسبب خلل وظيفي مقيم بأدمغتنا يؤدي إلى استنهاض ترسبات الماضي وتفعيلها في واقعنا الذاتي والموضوعي. فهناك مراكز في أدمغتنا تتحفز وتطلق مخلفات الماضي البعيد وتغلبها على مفردات الحاضر،وهذا اضطراب تفكير عميق يفعل فينا فعله الأليم. فأبعاد الزمن تتشوه في أدمغتنا فيصبح الماضي مستقبلا،وتلك حقيقة الدوجافو التي نعيشها يوميا ونعبر عنها تفصيليا.والبعض يمزح ويسميها "الدجافي" أي أن يعيش المرء في الدجى أو الظلام فيتوهم ما يمر به من تجارب وتفاعلات فيخلط أبعاد الزمن ببعضها. ومنهم من يسميها "التجافي" بمعنى أن الذي يصاب بها لا يرى حاضره ويسقط عليه الماضي البعيد ويحسبه هو ،وبذلك ينقطع عنه ولا يعرف مستقبله.وبمعاينة سريعة لما نقوم به ونعبر عنه في رؤانا وأفعالنا وننشره في وسائل الإعلام المتنوعة ،يظهر كأننا نعيش ماضي ما عهدناه ونحسب أننا نعرفه ونراه ونتحقق في رؤاه. فمعظم نشاطاتنا ودوافع تفاعلاتنا التي تترك أثرها في وقائع أيامنا ،مرهونة بالماضي البعيد ومأسورة بمعطياته ،وكل جيل يأتي يكرر ذات التجربة التي ألقمت الويل للجيل الذي سبقه. وهكذا نكون وكأننا في دوامة يصعب الخروج منها والتفاعل مع غيرها،لأننا لا نستطيع أن نرى ونفهم الحياة إلا كما يخال لنا بأننا قد مارسناها سابقا ،وكأنها ماثلة أمامنا من جديد وما علينا إلا أن نعيد تمثيل الأدوار،ولكن وفقا لمعطيات لا تتفق وعناصر صيرورتها الأولى. فنكون كالذي تربى على نمط معين من الحياة وحسبها كل الحياة ،فلا يمكنه أن يخرج من نطاق نشاطاته المأسورة بقواعد نشأته ومرامي تفاعلاته مع أيامه،حتى يواجه مصيره ذات يوم ويرى بأنه قد وقع تحت طائلة العقاب،فيأخذ بمشاهدة الأطر الأخرى للسعي فوق الأرض.ويبدو أننا ربما نكون مصابين بالدوجافو الجمعية Mass Deja vu والتي تؤدي بنا إلى هذا التفاعل السلبي مع الحاضر والمستقبل ،وتدفعنا إلى تحقيق حياة الزمن الذي لم نعيشه ،لكنه ربما قد تخلف في أعماق أدمغتنا بتأثير التفاعلات الجينية مع المحيط الذي يقرر سلوكنا ومذاهب تفكيرنا ورؤيتنا للأمور.
فنحن نكرر تداعيات أحداثٍ ماضية عاشتها الأمة فنعيدها وننقاد إليها بقوة وعنفوان عجيب،وهي ذكريات حياة قديمة دارت عليها عجلات القرون لكننا نعبر عنها ونترجمها يوميا. وعندنا ميل قوي لعدم مغادرتها والسعي إلى مشاهدة أنوار العصر والتعامل مع موضوعات الوجود القائم من حولنا .
وكأننا بهذا نكون في حالة تشوش بالرؤية والتفكير ،وفي انقطاع لذيذ عن المحيط الخارجي من حولنا،فنركن إلى تجارب الأزمان الغابرة ونتفاعل بها ومعها ونحن في زمن آخر لا يعرفها ولا تعرفه. وبهذا قد جنينا عليها وعلى أنفسنا وجردنا وجودنا من طاقاتنا الإيجابية اللازمة لنمو الزمن ،وإغناء تجربته الإنسانية والفكرية الضرورية لتواصل مسيرة الأجيال في أي مجتمع من المجتمعات.فكلامنا دوجافو ،إذ ترانا نتحدث ونكتب ونحن مأسورون بحالات منقرضة وصياغات مندثرة ونحاول إثبات دورها في زماننا ،وأن نؤكدها ونشير إليها وننطلق منها إلى ما قبلها،ولا نمتلك القدرة الفعالة على تجاوزها إلى المستقبل الذي يدعونا إلى أن نشارك فيه ،ونكون مثلما كان الآخرون من قبلنا والذين نتحدث عنهم ونكتب كل يوم. وقد تم نشر الآلاف من المقالات والعشرات من الكتب والمؤلفات الأخرى عن واقع غير موجود في محاولة لإعادة تصنيعه في هذا العصر. بينما كتبنا قليلا عن موضوعات حامية تواجهنا وتدعونا للتفاعل معها بكل طاقاتنا.
وبهذا فقد عارضنا مناهج الحياة وأنكرنا المعاصرة وعبرنا بعدوانية عن المستقبل الذي لا يمكنه أن يطل علينا ونحن نتلثم بالظلام ولا نعرف ضوء النهار.
وبهذا أيضا ،فنحن نختلف عن مجتمعات الدول المتقدمة التي لا تأخذ من ماضيها إلا ما ينفعها لتقوية قواعد الانطلاق إلى المستقبل ،ولتحقيق أعلى درجات الإبداع والتعبير عن طاقات الأجيال المتكاتفة.
ويرى البعض أن لا يمكننا الخروج من دائرة الدوجافو المغلقة التي تدمر وجودنا وتحرق أركان الحاضر وتئد المستقبل ،بعد أن وصلت إلى ذروتها في بداية السنوات الخمس الماضية .
لكن الدلائل تشير بأننا أصبحنا نتلمس طريق مغادرتها،و أنها أخذت تخفت في الآونة الأخيرة بسبب الارتطام القاسي مع الواقع ،ولتنامي بوادر الإفاقة من الغيبوبة الفكرية والعقائدية التي أصابت الأجيال بمقتل. فما عادت تحسب كل شيء كما كان من قبل،وأصبحت ترفض الاقتناع بما سيحصل على أنه حالة متكررة ومعروفة في وعيها. |
|
|
|
|