قصة قصيرة : عن امي الميتة
سعدي عباس العبد
13/05/2008
فجأة لاحتْ لعيني الميتة !! واقفة فوق رأسي لمحت ذراعها تمتد في الفراغ ،كحبل يتدلى من علو شاهق ،جفلت واعتراني الفزع ،كنت اعتقد انها ماتت !! في ذلك الغروب الحزين ، ودخلت الجنة ،تتذوق الجمال ،وتنعم بالسعادة المعطلة في بيوتنا ،ونسيت الذبح في الشوارع ،والخراب الممعن في حفر الذكريات ! فاحت رائحة قوية من ذراعها التي مازالت معلقة ! فرأيت الطفل الذي كنته ينسل من النهارات البعيدة ، متكئ على الذراع التي دلته على خيط الحنان الموصل بين قلبين ،فشلت الايام في تفتيته.
رايتها عبر مديات هائلة مازالت تتسع ، تخفق ذاكرتها المشدودة الى طفولتي ،تطبع قبلة من رفيف الفراشات ،فيفيض اريجها جامحا يهش عني وشيش الكدر ..وتركت اثرا من الحب القوي مازلت استند اليه في سائر الصعوبات التي تخرج لي من الشوارع ،متلفعة بوشاح الذبح ، المحها قبل ان تصل الى البيت قبل ان يلامس الدخان ذراعها ،قبل ان يبلغني (صباح الكيا ) المترعة بالحديد الصدئ ،قبل ان يخفق الحزام الناسف في الريح ،قبل ان يرتعش الشيب المسدول على تجاعيدها ،قبل ان تنفق ايامها المسرفة في الحنو ،قبل ان تمشط رأسي بقبل محمومة ، لمحتها كالدخان تحلق في سماء من الذكريات والرماد ..، ..في الطريق الى (باب المعظم) سمعتهم يهتفون بصوت واحد ماتت في (الكيا ) المفخخة ولكني رايتها كانت تبحث عني في ظلام المفخخات ،وانا انظر مذهولا الى الجهات ، وكأنني احد اخر لا يشبهني ، اسمعه يعوي في ذكريات منعزلة ،يملكها كلها ، يالذكريات التي لن تعود ، ما زالت واقفة فوق راسي .. مازلت ...،...ولكني نهضت مذعورا من على السرير حالما اكتشفت غيابها ! وفجأة لمحتها تطل من الجدار ، بشعرها الملتمع كالفضة ، تستدرجني للمكوث ، وعدم الالتحاق للجبهة ..، لمحتها تشيج برأسها وافكارها ،حتى غدت مثل جندي يحتضر في الميدان ! وكي لا تكون سببا في اعدامي عند باب الفرقة الحزبية ،طلبت الي ان افعل الجنون في وحدتي العسكرية ،فأومات برأسي اشفاقا على قلبها التالف من مواكب التوابيت (الجاره) ليل نهار ! ولكني برغم ذلك واصلت رحلتي الشاقة المترعة بالخوف وقصف الهاونات وشتائم الجنرلات .. ولما رفعت رأسي اندهشت لغيابها المفاجئ ،فرأيتني واقفا احدق في الجدار وانا انصت لصراخ يأتي من بعيد ، يهب من النافذة ، فنظرت خلال النافذة ،عبر مسافة طويلة تبدأ من ذاك النبع البكر لفجر طفولتي ،فلمحت امي معلقة في المدى البعيد او طيفها.. لا ادري ، عبر تلك المديات الممعنة في الاتساع ضئيلا يكاد يتلاشى .. فلم اعد اسمع سوى اصداء بكاء تتردد في فراغ مخيف من اعماقي ، كأنها تنسل من كل الجهات ، حافلة بخراب الشوارع ، وعصف العبوات والاحزان والذكريات والامهات ، فأجدني كأني اهبط في فراغات مظلمة ..وقبل ان اطلق صرخة مذعورة المح ابي يجري مرعوبا في الحوش فاجدني اطلب اليه متضرعا ان يدعني ارى الى امي ، فأسمعه يردد بأسى ، ولكنها ماتت ياولدي ! فأصرخ في وجهه واطبق يدي على كتفه ، وانا اجره الى صدري ، فرأيت رأسه يهوي تحت دموعي المنهمرة ، فيلوذ بالصمت فارخي قبضتي ، وارتمي على السرير باكيا بقوة ، كنت لا املك غير ان ابكي ، لم يبق لي سوى طيفها ، وسنواتي البائدة ، وذكرياتي التي اكلتها سرفات الحروب ،لم تبق سوى سنوات شحيحة مازالت تنتفض في الظلام ، لم يمر وقت طويل على غيابها ،عندما وجدتني ابحث عنها عند الجيران والمعارف والمشفيات وملاجئ العجزة والسجون وفي اشتباك الاحزان والدموع ، ابحث عنها في مخابئ القتلة وفي البنادق المشرعة ، وتقاطع الطرق وفي الردهات الرثة ومقرات المارينز .. ولما يعتريني اليأس ، اظل هائما على اوجاعي في الشوارع .. وحينما المح ابي يلوح لي من بعيد يومئ باقصى درجات الالم ،اجري في اتجاهات غامضة لا التفت للوراء ، اتلاشى في المنعطفات والجهات المنحسرة ولم اعد اسمع سوى رفيف الذكريات يوش في البعيد ، اركض بقوة الحزن ، فتنفتح قبالتي مديات هائلة تكتظ بزحام من (العصابات السود) والامهات ، وسنوات تلوح بكامل ايامها تركض في ذاكرتي ،فأظل اجري ! ولما بلغ اليأس بأبي اشده ، ولم يعد قادرا على كبح رغباتي المتشظية تركني ارعى خيباتي في برار من الهوس والهذو.. حتى كان يوم وجدتني فيه طابعا وسط تشكيله مهولة من المجانين ، مهدودا ، لا اقوى على الْحركة.


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima