هل وقع الزعيم عبد الكريم قاسم فـــي الحـــب ؟!
المحامي طارق حرب *
03/12/2008
سنة 1959 كنا من ساكني منطقة الزعفرانية وكانت جامعة الحكمة الاميركية في المنطقة نفسهاومجاورة لمنطقة سكنانا وكان اكثر العاملين في الجامعة من موظفين وعمال من سكان منطقتنا عدا الاساتذة فهم من الاباء اليسوعيين القسسة والرهبان وعلى ما اتذكر ان اكثرهم من مدينة بوسطن الاميركية
وفي مساء احد الايام كنا نحن شباب المنطقة جالسين في المقهى الوحيد للزعفرانية عندما قال احد العاملين في الكلية الذين كنا نسميهم باللفظ الانكليزي(fire man) اي مدير للعمال في الجامعة، هل تعلمون؟! قلنا ماذا قال؟ سيحضر الزعيم حفل تخرج طلبة الجامعة، قلنا كيف؟ قال هذا الذي حصل. قلنا ولكن العلاقات بين العراق واميركا سيئة والجامعة اميركية وقبل ايام جاء وكيل وزارة الخارجية الاميركية(راونتري) وقوبل بمظاهرات كبيرة اضطرته الى العودة من حيث اتى وان العراق الان دولة معادية لاميركا بعد ثورة 14 تموز والعلاقات الجديدة مع الاتحاد السوفياتي”روسيا وعدد من الدول الاخرى “ وان عبد الكريم قاسم بثورته انهار حلف بغداد او المعاهدة المركزية التي كانت تجمع العراق مع ايران وتركيا وبريطانيا واميركا؟

قال ستشاهدون  .. وحيث اننا ابناء المنطقة فكنا غالبا ما نذهب الى هذه الجامعة للقراءة او للتكلم مع الاساتيذ وجامعات امس ليست كجامعات اليوم لذلك تهيأنا للذهاب يوم حفل التخرج وعند دخولنا للجامعة سألنا صاحبنا عن سبب حضور الزعيم فقال: علمت بان الزعيم يريد الزواج من احدى الخريجات وهي ابنة امير اللواء الركن”وهذه هي الرتبة التي تطلق على رتبة لواء ركن اذ لابد ان تسبقها كلمة امير في العهد الملكي وفي فترة من العهد الجمهوري “ المتقاعد صالح زكي توفيق.
وحيث اننا كنا نسكن الرستمية وكان هذا الضابط آمرا للكلية العسكرية في فترة من الفترات زمن العهد الملكي قلنا: حسنا فعل في ذلك لما كنا نسمعه من مهنية وحرفية عسكرية له وضبط وانتقام وعدل وانصاف اتصف بها هذا الضابط ( صالح زكي توفيق ) عندما كان آمرا في بداية الخمسينيات حتى انه عند تقديم المذنبين له من ضباط الصف واكثرهم اباؤنا لاجل فرض العقوبة عليهم عند ارتكابهم للمخالفات كان يبتدئ المحاكمة بقوله”فلان اما ان تشعل ابي واما ان اشعل اباك) كناية عن عدالته وانه لايعاقب إلا بعد ان يكون العسكري يستحق العقاب، وقلنا: ان الزعيم عبد الكريم لابد ان تأثر بسجايا هذا الضابط ومناقبه بشكل كبير لذلك رغب من الزواج من ابنته،

حيث ان الحفل ابتدأ وما هي الا دقائق معدودات حتى حضر الزعيم مع سائقه ويرافقه رئيس العرفاء الانضباط صبري الساعدي فقط دون احد من مرافقيه الضباط ولاحظنا ان الزعيم كان يختلس النظر الى الطالبة المذكورة وكانت تبدوعليه علامات الاضطراب ، ما يمكن تفسيره وتأويله بانه لحظات توارت عنها السياسة والحكم الى لحظات اخرى وحيث ان صبري الساعدي يسكن الزعفرانية ايضا فانتظرناه ليلا في المقهى وفعلا حضر، وهنا بادرناه بالسؤال كيف كان الزعيم ولماذا حضر للاحتفال؟ قال: انا اليوم في اشد الاستغراب على تصرفات الزعيم ذلك انه طلبني لمرافقته دون الضباط وانه كان يلح على السائق بالاسراع وانه على غير عادته لم يتوقف لتحية من يحبه طيلة الطريق وخاصة كان هناك عدد من الناس في معسكر الرشيد وعندما شاهدوا سيارته بدؤوا بالتصفيق والهتاف ولكنه لم يتوقف على عادته بالتوقف والنزول من السيارة حيث يحي الناس بيده اليمنى ويلقي كلمة ولو قصيرة لا بل والقول لصبري الساعدي انني وجدت فيه حالة نفسية تختلف عما يمتاز به اذ ذهب شاردا في تفكيره بعد اكمال الاحتفال والعودة بالسيارة

غير ان مشروع الزواج هذا لم يكتمل لاسباب غير معروفة احدها واقواها على ما اعتقد ان الزعيم نذر نفسه للشعب او انه توقع اغتياله وقتله ولا يريد ان يستبقي ارملة بعده وقد تأكد لي هذا المعتقد بعد ان تطوعت في الجيش كجندي اسوة بالكثيرين الذي تطوعوا في الجيش وهم يقولون جئنا للدفاع عن الثورة حيث شاءت الظروف ان يتم تنسيبي الى بدالة وزارة الدفاع والتي كانت في غرفة مجاورة لغرفة الزعيم عبد الكريم قاسم وكانت الاتصالات اغلبها عن طريق البدالة وكنا نسترق السمع احيانا على مهاتفاته حيث تأكد لي صواب التعليل السابق من خلال اتصالات فنانة”مغنية “ لا زالت حية ترزق والتي كانت تسمعه بعض كلمات الحب حيث كان الزعيم يحترمها بشكل كبير لكنه كان يرد عليها”انا لن اكون لعراقي واحد او عراقية واحدة، انا للعراق جميعا “

ومضت الايام واستشهد الزعيم بعد انقلاب 8 شباط 1963 والقي القبض على صبري الساعدي مع المقاومة التي ابداها الانضباط العسكري في بناية وزارة الدفاع للانقلابيين الذين هاجموا الوزارة واغلقت جامعة الحكمة وتحولت الى هيئة المعاهد التكنولوجيا وتوفي المرحوم صالح زكي توفيق الذي عينه الزعيم مديرا للسكك الحديد العام بموجب المرسوم الجمهوري 5 لسنة 1958 المنشور في الجريدة الرسمية”الوقائع العراقية “ رقم 1 في 23/ 7/ 1958 رحم الله الجميع ورحمنا وغفر لهم ولنا.

*رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

نافذة اعلانية

Designed by NOURAS
Managed by Wesima