عناصر الإبداع في الشعر العراقي |
حوراء النداوي | 24/06/2008 |
الشعر كان و لا يزال له تأثير مباشر بحجم سلطة.. و لكونه كلاماً مقفى، اعتمده القدامى كأثر لا يبلى، تمكنوا من خلاله الحفاظ على الرسائل التي ارادوا بثها و ترويجها بين العامة، حيث الغالبية العظمى في ذلك الحين كانت غير متعلمة. فسهل من ثم توصيل الرسالة الى الناس عبر هذا الكلام ذي السجع، سهل الحفظ والترديد، والعصي على النسيان.. اما بالنسبة للعرب.. فان الشعر كان فضلا عن ذلك محفز البلاغة في لغة عظيمة البلاغة من الاساس.. وكان العراق احد اهم الدول العربية التي انتجت شعراء، بل لعله اهمها على الاطلاق.. فمنه نبع المتنبي بكل عظمته.. وفيه فقط تجرأ الشعراء على الانتقال بالشعر من محطة لاخرى عبر السياب و الملائكة.. ثم انتهاءً بانفرادية عصرية للجواهري.. هذا فضلا عن الاعداد الهائلة من الشعراء التي ينتجها العراق على الدوام، فبثهم رجالاً كثيراً و نساء.. ورغم المكانة التي يحتلها الشعر العراقي على الصعيد العربي، الا انه في الآونة الاخيرة وقف مكبلاً امام انهيال الشعر الشعبي على الساحة الادبية في العراق. والشعبي العراقي له خصوصيات واعتمادات شبه ثابتة.. فهو مبدئياً يكون باللهجة العامية، و تحديداً العامية الجنوبية.. اذ يبقى حتماً حتى على الشعراء من غير الجنوبيين ان يصيغوا شعرهم جنوبياً، و لعل اشهر هؤلاء هو البغدادي مظفر النواب الذي تفوق في بعض من مفرداته على ابناء المنطقة انفسهم، بعد ان تشبع شعره بلهجتهم تماماً. اتضح مؤخراً ان الشعر الشعبي قد طغى باكتساح شمل ليس فقط العراق بلهجاته ولغاته المختلفة بقدر، ولكنه ايضاً طال المنطقة لا سيما دول الخليج القريبة من لهجته الجنوبية.. فباتت الانواع المختلفة من الشعر الشعبي كالابوذية والدارمي والموال تدرج على ألسنة غير العراقيين، ربما عبر ما هو مجرد اغنية في بادىء الامر لتنتهي حالياً بتطلع متزايد من قبل العرب الى شعر مكتوب باللهجة العراقية.. الشعر الشعبي على وجه الخصوص له وقع مدهش في نفوس العراقيين.. بكلماته النابعة من اللهجة المحكية القريبة من المتلقي، سواء كان بسيطاً او متعلماً، مسناً او شاباً.. و هذا التأثير الجلي لهذا المنحى الابداعي حدا بالنظام السابق لمنعه دوناً عن غيره من الفنون.. ليعود بعد ذلك مقولباً ومكرساً لصالح النظام فقط.. فظهر علينا شعراء كان شعرهم خدمة للنظام وتمجيداً لصدام وحروبه، من امثال فلاح عسكر وعباس جيجان.. و لمّا كان الشعر الشعبي بهذا القرب من ابن الشارع، اعتبر بعض المثقفين العراقيين من المناصرين للفصحى، انتشاره في هذا الوقت تهديداً للغة الاصل.. لاسيما ان الظروف الراهنة في العراق لم تساعد على تطور الفصحى، فتراجعت شيئاً ما.. ليجد الشعر الشعبي الساحة اكثر اتساعاً امامه مما مضى.. فتطور على حساب الاخير، و تطور معه شعراء شباب بشكل مذهل.. فباتت الصور الشعرية تتدفق من بين ايديهم، في الوقت الذي جفت فيه نسبياً عند اهل الفصحى.. مع هذا التعملق النوعي في واقع الشعر الشعبي، نتفاجأ لما آل اليه الشعر الفصيح الذي بات اقل قيمة مما مضى، لاسيما اننا نتحدث عن الشعر في العراق حيث المسألة هنا تاخذ بعداً نسبياً.. ولعل الامال الكبيرة المعلقة على شعراء الفصحى العراقيين هي السبب الذي يدعو الكثير منهم لاستنباط مفتعل لجمل شعرية ضخمة اللغة، ربما لمحاكاة دهر مضى.. فتطغى بذلك قوة اللغة في اغلب الاحيان على الصورة الشعرية والفكرة الاساسية، فتجد اشعاراً بالية الصورة، او منمقة لغوياً اكثر ما ينبغي.. واللغة مشكلة الكثير من شعراء الفصحى المعاصرين، على اعتبار ان الفصحى ليست لغتهم المحكية.. ولان المفردة الفصيحة غير دارجة على ألسنتهم فانهم يقذفون انفسهم في اتون من المفردات، متناسين عنصراً شعرياً مهماً، الا وهو الصورة.. في المقابل يتمتع شعراء العامية بمحكيتهم.. حيث المفردة اكثر قرباً وتناغماً مع واقعهم وعصريتهم، وهو ما حدا باولئك المثقفين لاعتباره اعتداء وتهديداً للغة الفصحى.. وهنا نتساءل عن السبب الذي يدعونا لعدم التمتع بمبارزة شعرية المنبت في الاساس، ابداعية الثمر في النهاية؟! اما آن لشعراء الفصحى الهبوط من ابراجهم العاجية.. حيث ان المشكلة الاساس بالنسبة لهم كون الكثير منهم لديه احساس بفوقية لغوية غير مبررة، وهي عملياً اصبحت حالة متبادلة بينهم وبين القارىء.. لذا فمن الطبيعي ان يتحول متابعو الفصيح من المتذوق العادي الى متذوق نخبوي على الاغلب. ان البحث عن ابيات (متنبيات) جديدة، لهو ضرب من ضروب الخيال، لابد لنا ان نحصر تعابير كهذه في خانة المجاز من دون التناول الفعلي لها، اذ ليس في مقدور اي شاعر او كاتب ان يصل الى مرحلة التقليد الادبي، تلك فضيلة ادبية كبيرة لن يتمتع بها كثيرون لحسن الحظ.. لكن هذا لا يمنع ان يتمتع الشاعر -شعبياً كان ام فصيح اللغة- بتقنيات الشعراء الكبار.. لنضرب مثلاً بالمتنبي وشاعر شعبي معاصر.. وهنا اود ان اشير الى اني لا اشبه اي شاعر بالمتنبي، اذ حاشا قامة المتنبي ان يطالها شاعر.. لكنني فقط اتحدث عن تقنية قد يتبعها شعراء المواهب الكبيرة بحق.. سواءً كانوا من الشعبيين او من شعراء الفصيح.. مثلاً تقنية ان تتضمن ابيات القصيدة فكرة جديدة في كل بيت.. اي ان يكون البيت حاوياً لفكرة كاملة من دون الاعتماد على ابيات اخرى.. وهو ما يعرف عندنا (بالدارمي).. الفرق هنا في ان هذه الابيات ستبقى في النهاية ضمن منظومة القصيدة.. و قد اتبع المتنبي هذه التقنية في بعض قصائده : نعد المشرفية و العوالي وتقتلنا المنون بلا قتال ونرتبط السوابق مقربات وما ينجين من خبب الليالي ومن لم يعشق الدنيا قديماً ولكن لا سبيل الى الوصال نصيبك في حياتك من حبيب نصيبك في منامك من خيال يلاحظ في هذه الابيات، ان كل بيت غير معتمد على الاخر، و يمكنه ان يقرأ وحده.. لكنه في النهاية ضمن سياق قصيدة لا يخرج عن اطارها.. وهذا ما في الامر من عبقرية.. والمفاجىء هنا ان يتمتع شاعر شعبي بهذه التقنية الرائعة في قصيدة قصيرة تحوي صوراً فائقة.. يقول سمير صبيح: سميتك محنة وعاطفة و اشواق لهو.. تقضي وقت.. شتريد سميني واخذ شتلة غرامك.. يا عشق.. يا شوق ؟ بس عاقول صَدّق، ينبت بطيني دخليني على بختك، اني ما مجبور بيدي انحت اله و اكفر بديني وليش اطلع شمس و ادري انت طبعك ماي وتصعد غيم مني و توقف بعيني ؟ بلبل و بقفص، لا تحطني بالبستان يا غصن اليميل بنار يجويني كبرت على السهر يالمرودك سجين شلي بكحلة غرامك.. كون تعميني العشق عندي عشق، ما عندي هيج و هيج اتانيك.. و اجيك.. و ما تتانيني ولو حسبة حلم طيش الشباب يعود مكتفني الوقار و ما يخليني و درت عيني على نيتي، و شفت ظلك فات و على طينة خيالك غمست عيني انه لمن المجحف في حق اذواقنا ان نغفل هكذا قدرة شعرية بحجة انها غير فصيحة.. وانه لمن المجحف في حق الشعر نفسه ان نبقي المنافسة ضمن ما هو مؤطر تصنيفياً.. لقد فاجأنا شعراء الشعبي الجدد، بتفوق ملحوظ على الشعراء الرواد.. ليس عن جدارة شعرية فحسب، بل عن صقل غير مباشر للمواهب.. الامر الذي اضفى على اشعارهم مسحة خاصة موجودة في شعر الاغلبية منهم.. في الواقع ان ابن الرفاهية النسبية لستينيات القرن المنصرم ليس بأقل موهبة من ابن حصار تسعينياته.. غير ان الظروف تمكنت بجدارة من ملء دواة الاخير فيما جففت حبر غيره.. هو نفسه الشاعر، لكن ارهاصات الحياة اما تجعل منه نداً لها فتتحداه، واما تكون طفيفة الوقع فتتركه وشأن موهبته فحسب.. شاعر الستينيات قدح في وجدانه جمال انثوي ثار له بركان شعره وكان محفز موهبته.. وحين كتب عن حب الوطن كانت كتابته ترفية نسبة للغليان الذي شهده الشعر الوطني مؤخراً، وهو بطبيعة الحال نتاج الواقع العراقي الصعب.. فبات شاعر الحصار، جور صدام، المقابر الجماعية والقتل على الهوية، لا يجد وهو يرزح تحت وطأة هذه الانواع المختلفة من الظلم و الدمار متسعاً من عقل او قلب يدعوه لمراعاة جمال انثى.. فاتقدت قريحته لتاتي بمقارنات غير مسبوقة تضع اسماءً عرفناها سابقاً في مضمار مختلف تلفه المعاناة والحرمان لتتخذ وقعاً مختلفاً علينا كمتلقين.. الواقع ،الذي هو الصورة الحقة لتركيبة القصيدة لاسيما العصرية منها، فرش امام هؤلاء الشعراء الشباب ارضية ثرية تعلو بهامة شعرهم.. لقد دربهم واقعهم جيداً، فباتوا هم من يناوره و يطغى عليه.. فنبذ سمير صبيح عنه الغزل معتبراً اياه ترفاً لا يتناسب و مرارة واقعه.. فيقول معاتباً من عاب عليه غزله الشحيح: تقلي اكتب عل الغزل.. عن البنات يا ترافة تريدها بشعري تبات؟ تقلي شعرك ليش آهات و دموع انت حقك ما شفت خط الشروع انت ساعة سين تعرفها شتلوع؟ الغاية تعرفها ؟ تعرف (الهاونات) .......... شعري شاف الموت ما شاف الورود لا بنفسج لا اغاني و لا وعود الشاف ذوله قباله يكتب عل الخدود؟ شاف بعيونه التعوق و اللي مات بل ان الابداع الذي صاغته الحروب ودمارها، قذف بصبيح الى تانيث ادوات الحرب وعشقها على سبيل الخطا.. اذ على الرغم من كل شيء، يبقى شبابه يراوده عن اناث يخطرن من بعيد: هناك عندي عيون ظلت ما تنام حتى يبقى براحته يطير الحمام هناك عل (الساتر) عشت قصة غرام جنت عاشق (راجمة) من الراجمات ثم وكأنه يتلفت باحثاً عمّن يدشن فيها غزله فلا يجد احداً يقول: و شرد اغازل.. جارتي ام ثوب الوحيد؟ تقلبه خاطر ثوبها يبين جديد تنتبهلي البالها بالهم شَريد؟ خدود صفرة شلون اقول موردات؟ ............. تريد اكتبلك غزل و الغي العناء وانا عشر سنين قاضيها بحذاء هدومي طلبة، وذاك من ذاك الشراء فضل مني وعايش بهاي الحياة: ويتهكم من الحب.. والطريف ان وسطاء تهكمه هم ذاتهم الثنائيات الشهيرة: عدنا (ليلى) تبيع بالوقفة دهن و(قيس) حمّال ويجد بس على بطن من سألت (جولييت) قالت، بالسجن (روميو) تعبان بايك(تايرات) و خلي يكتبلك دمع عيني اليسيل عن(بثينة) و قتي يحجيلك قليل عدها ست اطفال صاروا من (جميل) كلهم يجدون بالشارع حفاة.. ان لوقع هذه الكلمات فعلاً ساحراً، لربما لم يكن ليكون كذلك لو انه كتب بفصحى منمقة.. هذه العبارات والمفردات اليومية القريبة جداً من القلب بفعل الاستخدام الدائم، تقيم علاقة مباشرة ومتينة بنا كمتلقين.. حري الا تقصى وينظر اليها بدونية لغوية.. لنا ان نفخر كعراقيين، بلهجة يمكنها ان تبلغ هذا القدر من البلاغة، لم يحدث ان طالتها لهجات قريبة او مشابهة.. وتبقى امنية في ان تكون المنافسة بين هذين النوعين من الشعر على اساس شعري صرف غير مائل لهذا او لذاك من الاصناف..
|
|
|
|
|