ذاكرة الشعر .. دموية عندمـــا يصبـــح الـــدم .. غبـــارا |
خضير ميري | 24/06/2008 |
ليكن إن ما فعله حيدر عبد الخضر، هو ما نعرفه جيداً، ذلك أننا جميعاً خرجنا من معطف الدمار وأصبحنا أكثر شاعرية من رومانسية بليدة ولم يكن صعباً علينا أن نرمم الجمال غير مبالين بالفلسفة التي (تطلب لأجل العظمة) .. على حد تعبير "كامو" أو لأننا "كنا بؤساًء في الهواء الحبيب الذي تسعده الشمس" على حد تعبير "دانتي" الذي اقتطع منه حيدر عبد الخضر قطعة جبن صغيرة ليطعم بها ديوانه الصغير مرشحاً جحيم دانتي مذاقاً مناسباً لنصوصه المقتصدة التي تترك خلفها أنفاساً هادئة تدعو لقراءة حزينة هذا لونها:
في البدء قبل أن تقطف أسرار التراب سقط المعنى يتيماً كغراب … من متن المجموعة" من الصعب أن نعثر، في النصوص الكارثية على دلالة بريئة، ذلك أن الكتابة "المرة" تصبح شرطاً لأية رؤية كذلك ، الشكل الفني فانه يشذب أطرافه ويكتف ذراعيه ، ليصغر حجمه ويستطيع المراقبة بدقة أكثر لأي تطلع إنساني لأية رغبة شاعرية أو حلم يخرب : كم حلمنا بالبحر حتى أصبحت قلوبنا مالحة "" من متن المجموعة " ذلك ان الدلالات تنمو طويلاً ، ربما داخل الأمواج السائبة للحوادث اليومية المشروطة بـ (البداهة التافهة) و (السيلان القدري) الذي يجري بمعزل عن الإرادة البشرية أو المشيئة الإنسانية التي لا وزن لها سواء في(بكتريا المواسم) : في صباح الهدنة كانت الشوارع مكتظة بالسراويل " من متن المجموعة " أو ( تحت سماء الصفيح ) يأتي الشعري غفلاً عن التوقيع ، يتحرك كما لو أنه طيف ليكسر قارورة اليومي ويجعل رائحة الخوف والدهشة تنساب بلا تكلف يذكر ، داخل يوميات قصائد حيدر عبد الخضر وهو يحاول جر أقوال العباقرة الى مستنقع العراق وجروحه النازفة. ينامون تحت سماء من صفيح يفترشون صحفاً خط عليها :- هذا ما زرعه توحش ( الرجل المفترس في أحشاء المرأة المنكسرة ) " من متن المجموعة " وهذا الاخير هو كلام فردريك نيتشة الذي لا يتردد الشاعر من " التشاعر " معه اذ جاز التعبير لصالح حكمة أكثر واقعية قد توفر لنا مفردات النقدية شيئاً من المساعدة في فهم العلاقة الأصيلة للدلالة اليومية في اتساعها اللامحدود وفي عملية غربلتها داخل شباك النص وشعريته التحريضية ، إن مجموعة ( هذا غبار دمي ) تستطيع ان تقدم لنا إمكانيات مسح ما هو معاش لصالح ما هو شعري أكثر واذا كان لكل ولادة من جغرافية لافكاك منها فان جغرافية الولادة لحيدر هو الجنوب ولا مكان آخر سواه : الجنوب مئذنة عتيقة طفلة يستفزها العابرون " من متن المجموعة " هذه الجغرافية توفر فرصة للمراجعة الذاتية ومواقعة " القديم " حيث " النشيد " السومري الذي تنتسب روح الشاعر اليه ، بالطبع إن كمية المفردات الشعرية التي يوفرها النص تنم عن أطياف قراءة مكرسة لرامبو وبودلير وبعض روافد الحداثة الجسورة : أنا شاعر مسالم لا أحمل في جيبي غير دبق المقاهي وآخر قصيدة كتبتها على سرير فاتر وأنثى بعمر الجوع ويستطيع حيدر أن يعرف الشاعر بمزاج آدمي حيث يقول : الشاعر : رصاصة في رحم اللغة .. انه الفتنة الأعمق وحده الشاعر العراقي من يستطيع أن يعرف المعنى الحرفي لمفردة رصاصة وهي قطع ليست من أعمال اللغة ولن تكون القصيدة ابعد من لذة النص بالمفهوم البارتي الملحق بعلم النفس ذلك المفهوم الذي يستطيع ان يقطع النص من جسد اللغة بوصفه اختزالاً شبقياً ، انه طفل " كبير " بقدر ما لا يعني أن يقول أو يتكلم أحيانا لكي يترك غباراً متعباً خلفه .. لا يوجد خلف النص لغة ، لأن اللغة ستكون دائماً أمامه وذلك عندما يمكن لنا الحديث حسبما يرغب رامبو عن " سكرات اللغة " نستطيع بعد ذلك أن نعرف القصيدة بطريقة حيدر عبد الخضر وبالصيغة التالية : القصيدة : كلمات ينتابها الصرع .. آه .. لقد رأيتها ترتعش إن الارتعاش يُرى ، حسناً إن الصرع وهو مرض دفاعي غير بعيد عن ممتلكات العباقرة هو الذي يجعل الشاعر معرضاً لخوفه الخاص ونقصه الحاد أمام طغيان العلامات في لغة العالم وقد قدر عليه أن يذهب وحيداً لكي يرعاها أو لكي يتصيدها لا فرق. `.. هناك رحم مشترك بين الشعر وسوء الفهم وإذا اردنا أن نستعين باجتهادات هيدجر الفلسفية نستطيع القول أن هناك طريقٌا واحدا بين الشعر والفلسفة هو نفس الطريق الذي يؤدي فيه الشعر الى الفلسفة أو الذي يؤدي بالفلسفة الى الشعر .. بالطبع كلما ازداد سوء الفهم تعرض المعنى للخطر المطلوب لكي نعيده الى حضيرة الأدب ذلك الخطر الجمالي الذي ما زال عالقاً بالاسطورة أو بالأسطرة لكي يكون بمنأى عن زيف الايدولوجيا وغير منتسب بعد الى " رجال أعمال القصيدة " وهو ما يرغب بأن يكون مطروداً منها وغير مبالٍ بالمكاسب العجولة ذلك لأنها " ترتعش " . القصيدة والرصاصة .. لا فرق ولا فرق أن يكون الشعر هو سليل الفقر " والرماد في المعامل " حسب رامبو أمي تروض الجوع في المطبخ وتقلمه بالسكين ما من فقر مشابه للشعر ، ليس عبثاً أن يكون الاسم السومري للشاعر أو المبدع أو من حلت عليه لعنة القلم " وما يسطرون " هو " المشكينو" أي " المشكين" بمعنى المسكين … ولذلك يرى فاليري ان هناك علاقة حتمية بين الجوع و الشعر والأمر ليس له علاقة بالمال بل بالزهد الذي لا نفع فيه الا للكتابة … عندما يحرم الإنسان طويلاً فانه يستطيع أن يرى "لبصلة " .. فتاة عارية ولا يوجد خيال داخل معدة متخمة ، الإنسان الخفيف هو إنسان جائع على الأغلب :
أخوتي يجلسون في صالة الرغيف بانتظار ساعة التموين ولا ندري كيف ينظر الشاعر الى العلاقة الوثنية بين الرسالة و التضحية ان الشاعر الحر يضيق ذرعاً بالتابوات والتقديس لذا فهو يهشم ويعري تلك الصورة التي تتبناها الآيدلوجيات والوعي الزائف فالحجاج : كان ذئباً … صنعت مجده الخراف هناك مساحات داخل النصوص تشكل خطراً في شعرية حيدر عبد الخضر وأعني بذلك عطف بعض الجمل الشعرية باتجاه التعاريف أو الحدود اللفظية ، إن الشعر التحريضي هو نزق أيدلوجي لا أشجع عليه ، هناك عدد قليل من الشعراء كان يرغب بوضع التعاريف كثيراً وبصدم القارئ بمزاوجة الألفاظ ، واللعب على مشاعر المتلقي واستنزاف همومه والعبث بلغته اليومية والاحتيال على مخيلته ولا يمكن لنا أن نعد ذلك قاعدة بل استسهال غير مرغوب به بالنثر وحرمانه من طلاقته الفنية الا ان المقطعية ربما تكون بديلاً مناسباً للحد أو التعريف كما في المقطع التالي : لي اصدقاء بعدد النجوم … ما أبعدهم في قصيدة " هذا غبار دمي " وهي القصيدة " المفتاح " لمتن هذه المجموعة يفصح الشاعر عن همومه التاريخية وجذور معاناته ، هناك دفق حساس من الأخذ عن النص القرآني كذلك عن بلاغة الإمام علي وذلك بغية تقديم سيرة نصية مناسبة قد تكون مطابقة لصورة وحياة الشاعر : بعيداً عن الشخير توجهت شطر المائدة لإدانة ما تساقط من قفص الببغاء المائدة مفردة أثيرة عند الشاعر وكذلك العائلة ، الجوع ، المأساة الشخصية ، التبغ ، النعاس ، والمساءات الكسيحة في " مختبر العائلة " طبعاً " أضرحة الصالحين " التي لا تختلف عن " الخذلان المؤقت " و " المدن الجرداء " والبالات التي شغلت محل الأبناء والحكمة اللبقة والمؤاخاة بين الحوصلة والهواء ومصيدة الوقت : ابي الذي دثرته رمال الوحدة قبل أن يتم نشيد الغياب وهكذا يتم الدم دورته في الغبار ويبرهن الشاعر حيدر عبد الخضر على صفائه الشعري وتجرده الواعي من الأمراض التركيبية اللغوية للحداثة الزائفة .. يعود بنا بانسيابية لا تخلو من ثعلبية تحسب اليه الى الشعرية المجبولة بموهبة نقية حافظت على وداعة الشعر وجماليته المغمسة بالكارثية والواقعية المريرة وموسيقى الدمار … لقد استل حيدرفي يوم من الأيام غباراً من أجندته ليعفر يدي بالدماء أو الشعر وسماء النصوص كان عليلا و صغير السن بما يساعده على تأمل شيخوخة الشعر في بقائه الأزلي وقد كان طائراً لا يمكن له إلا أن يطير … ويمكن لنا في أسفار الشعر ان نشاهد طائراً يحلق بجناح واحدة لطالما ان الجناح الاخرى هي قصيدة جديدة ومبدعة لابد أن يكتبها شاعر مهم وهو حيدر عبد الخضر . |
|
|
|
|