ما اخبار البرحي |
برهان المفتي | 24/06/2008 |
بكل شوق والتشبث بطيف الذكرى، أتذكر عذوق البرحي في الكرادة وحافظ القاضي، وقبلها طبعاً على النخل الرائع في البصرة.. وأغالب نفسي مراراً كي أستحضر ذلك الطعم المميز للبرحي في مرارة الغربة. قبل سنة زرعنا لأنفسنا تالة فتية .. كل تمناها نخلته التي فقدها في العراق، وكبرت النخلة وفتحت أغصانها للذين يشتاقون إلى بغداد وقمرها الغائب في وحشة ليالي المنافي البعيدة.. والذين يشتاقون إلى البصرة وعشارها.. والموصل وربيعها. زرعنا تلك التالة بفرح من يجتمع مع الاهل بعد طول غياب.. تواصلنا معهم رغم المسافات.. ورغم أن لا صوت ياتي من بغداد.. لكنه عناد النخل الذي يضرب الجذر عميقا ويرفع الرأس عاليا.. قد ينحني النخل ساعة أو زمنا ظالما.. لكنه يزداد جمالا ما مر الزمن وعلت قامته. صارت تالتنا نخلة.. وواحتنا قد جمعت الجيران، وكأن غالب طعمة كان يستنبىء ما ستعني النخلة للعراقيين في منافيهم الموحشة، كم نبيا كان بيننا في العراق،، وكم نبوءة لم نفهمها إلا حين الضياع ! حين بدأ العراقيون يغادرون بغداد في منتصف التسعينيات من مرآب حافظ القاضي.. كانت رؤية البرحي هناك دليلا على وداع دون رجعة. كان العراقي يأخذ معه عذوق البرحي لأسباب عديدة.. لكنه قطعأ كان يفعل ذلك لإيمانه بأن النخل لا يخذل العراقي في غربته. وكنا نودع احبابا لنا في دقائقهم الآخيرة في بغداد.. واللون الذهبي للبرحي يبرق في دموع العينين. لا أدري ما أخبار البرحي الآن وقد صار العراق كله مهاجرا ومنفيا..العراق منفي من محيطه الجغرافي والسياسي..والعراقيون منفيون ومهجرون داخل العراق وخارجه.هل لا زال البرحي يعينهم على الأيام؟ في فترة الحروب.. خسر العراق أكثر من عشرين مليون نخلة في أكثر الإحصائيات تفاؤلا.. والرقم المروع أعلى من هذا بكثير.. لكننا أولاد تلك الأرض التي تستند على النخل كالوتد في وجه العاصفة.. سنعيد للأرض نخيلها.. وسنوزع للأحباب رطب البرحي.. ولكن هذه المرة في بوابات العودة.. في يوم أتمناه أن لا يكون حلما طائرا لا نستطيع اللحاق به. كل عام ونخلتنا تكبر.. والذكريات تكون أكثر نداوة.. نداوة الدمع أو نداوة الشوق.. لا فرق. |
|
|
|
|