متــــاهة
أحــــمد عبد الحـــسين
25/06/2008
في وقت ما كان الشعر هو كلّ ثقافة العرب، ديوانهم، الشاشة التي عُرضَ عليها تأريخهم، وحصتهم الأثيرة من الفنّ بعامة، نفهم الآن جيداً حرص العرب على الشكل الشعريّ التقليديّ الذي يقارب حرصهم على حفظ المقدس من التلف، ذلك أن الشعر عماد هذه الثقافة إنْ لم يكن اسماً آخر لها.
لهذا قوبلتْ قصيدة التفعيلة باستهجانٍ وسخرية ثم بعداءٍ ضارٍ، كتب العقاد رسالةً يسمي فيها شعراء التفعيلة بهذا الاسم المضحك "كتّاب النثر باختصاص!"، كان في نيته توجيه إهانة لهم حين جعلهم "ناثرين"، مدفوعاً بالعقلية الثقافية البدوية التي أدمنت المفاضلة بين النثر والشعر منتصرة للأخير، غير انه لم يعرف ان النثر سيدخل في صلب الشعر ويتواشج معه في ما سيدعى بقصيدة النثر، لو كان العقاد حياً لانضم اليوم إلى شبان العمود الساخرين ممن يسمونهم "النثراء"!
قصيدة النثر أدخلت الخلخلة إلى الثقافة العربية، ليس بسبب تنكّرها للتراث الخالد فحسب، ولا لأنها استعارت اسم الشعر، وهو أثمن اللقى العربية، لتلقيه في تراب النثر، مزاوجة بين المقدس والمدنس اللذين أنجبا سفاحاً،هذا الطفل الشيطا ملائكي، حدثت الخلخلة لسبب أعمق: ان قصيدة النثر أضاعتْ تعريف الشعر إلى الأبد، لم يعد يكفي الوزن والقافية والعمود لإنشاء تعريف كهذا، والمصطلحات القديمة والجديدة من قبيل الصورة والإيقاع الداخليّ والإزاحة لم تعد سوى ألاعيب يتلهى بها من لا عمل له ممن أدمن الحديث عن الشعر بإنشاء رميم.
لنعترف: نحن في تيه، وسؤالنا عن سمات النصّ المفتوح، " ما سمات النصّ المغلق؟" خطوة أخرى في هذا التيه، قد تكون اقتراباً من خلاصٍ ما، وقد تكون إمعاناً في تعقيد متاهتنا.


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima