غابة التساؤلات
باسم الأنصار
25/06/2008
اكثر مايميز النص المفتوح عن سواه من الأشكال الشعرية المعروفة، هو كثرة الاشكاليات الدائرة حوله. فاسمه مثلاً، يمثل لنا بحد ذاته إشكالاً دلالياً لم يحسم حتى الآن. فما هو المقصود بالنص المفتوح بالتحديد؟
ومن اي منطلق ننطلق للتعبير عنه؟ فهل النص المفتوح ، هو اكثر النصوص انفتاحاً من حيث الدلالة؟ فاذا كان كذلك، فعلينا إذن ان نطلق هذا المصطلح على كل الأشكال الشعرية المعروفة ، على اعتبار ان تعدد الدلالات في النص الشعري يمثل احد شروطه الأساسية. واذا لم يكن المقصود به هذا الشيء، فماهو المقصود به إذن؟ هل المقصود به ، هو ذلك النص المنتج من خلال مزج الشعر بالنثر؟ واذا كان الأمر كذلك ، فعلينا اولاً ان نحدد الجنس الذي ينطلق منه النص ، وان نحدد ايضاً الجنس المنطلق اليه. فمثلاً ، لو انطلق النص من الشعر باتجاه اجناس النثر المعروفة ( القصة ، الرواية ، المقال ، المسرح.. الخ)، هل المفروض علينا ان نطلق عليه مصطلح (القصيدة المفتوحة)؟ واذا انطلق النص بالعكس ، اي من النثر الى الشعر ، ولنقل على سبيل المثال ، انه انطلق من جنس القصة نحو الشعر ، فهل سنطلق على هذا النص مصطلح (القصة المفتوحة)؟
نحن إذن في غابة من التساؤلات حول النص المفتوح . ولكن دعونا نسير في هذه الغابة بهدوء.
يمثل ( النص المفتوح ) برأينا شكلاً شعرياً جديداً ، مظهراً اخر لجوهر الشعر ، او جسداً حديثاً لروح الشعر . ويمثل ايضا تجلياً طبيعياً لروح الشعر . فالشعر الآن يمر بمرحلة الفيض الفارابية . وهذا الفيض انتج لنا الآن ، وسينتج لنا ايضاً بشكل اكبر مستقبلاً ، شكل النص المفتوح . لذا يجب ان لاننظر لمسألة اللجوء الى النص المفتوح على انها تقع في سياق التجريب والمغامرة فقط . انما يجب ان ننظر اليها ايضاً على انها ضرورة ملحة وواجبة الوجود من الآن فصاعداً ، مثلما كان يؤمن الأسلاف بضرورة وجود الأوزان والقوافي في القصيدة العمودية مثلاً .
***
النص المفتوح ، ثورة في الشعر ، تشبه تماماً ثورة قصيدة التفعيلة الحرة بوجه القصيدة العمودية ، وتشبه ثورة القصيدة الحرة بوجه قصيدة التفعيلة الحرة ، وتشبه ثورة قصيدة النثر بوجه القصيدة الحرة ، وهاهو الآن يصبح ثورة بوجه قصيدة النثر وبوجوه الأشكال الشعرية كلها .
ولكن ، ميزة ثورة النص المفتوح ، هي انها ليست ثورة نسف مطلق او الغاء كامل للأشكال الشعرية الأخرى ، وانما هي ثورة بوجه احتكار هذه الأشكال للشعر .
***
نرى أن امتزاج الشعر بأجناس النثر المختلفة حالياً صار ضرورياً لأسباب عديدة منها ، لأن رؤى الشاعر تود ان تتسع وتتنوع وان تكون اكثر كونية من جهة ، ولأن الايقاع الداخلي للشاعر بالاضافة الى ايقاع اللحظة التاريخية المحيطة به معاً ، ترغبان بالانفتاح على ماهو جديد ومغاير ومختلف من جهة ، ولأن العالم في الوقت الحاضر كما نرى ، صار يسير في مدينة النثر اكثر من قبل ، بل واكثر من سيرها في مدينة الشعر من جهة اخرى . لذا فعلى الشعر الآن اكثر من اي وقت مضى ، الدخول الى هذه المدينة لإثراء الشعر بشكلٍ جمالي جديد ، وذلك من خلال دخوله لأزقتها وبيوتها برشاقة ، ومن خلال استثماره لهوائها وانهارها بمهارة ، ولكن على شرط ، ان يخرج الينا محملاً بالرؤى الشعرية .
***
نرى مثلاً أن ( فصل في الجحيم ) للشاعر الفرنسي ( رامبو ) ، و ( ريشة ) لهنري ميشو ، و ( اناشيد مالدورور ) للوتريامون ، تمثل امثلة جيدة للنص المفتوح ، وذلك لان هذه النصوص ، انطلقت من الشعر نحو النثر ، وخرجت في النهاية برؤى شعرية ، من حيث ان الشعر فيها تفاعل مع النثر وتوحد به من حيث استخدامه احياناً لبناء الجملة النثرية من جهة ، ومن حيث استخدامه احياناً اللغة النثرية من جهة اخرى .
إذن للنص المفتوح تراث ، حتى لو ان وجود هذا التراث ، كان على شكل شذرات متفرقة في تاريخ الشعر . هذه الشذرات نُثِرت من قبل هؤلاء الشعراء في زمن لم يكن المكان واسعاً لها ، ولكنهم نثروها من باب التجريب والمغامرة ، ومن باب انتمائهم لرؤاهم التي ترى مالايراه الآخرون . اما الآن ، فنحن نعتقد بأن المكان يجب ان يتسع اكثر للنص المفتوح ، وذلك ليس من اجل طرد الأشكال الشعرية الأخرى كما اسلفنا ، وانما من اجل إثراء الشعر وإغنائه برافدٍ جديد ، يناسب احد وجوه اللحظة التاريخية التي نعيشها حالياً في الأقل .
***
على الشاعر المؤمن بقوة ، بأن النص المفتوح صار الآن واجب الوجود ، وبأنه يمثل شكلاً شعرياً جديداً إمتياز ، وبأنه امتداد طبيعي لحركة الشعر وتحولاته ، مثلما يعد شكل الانسان الحالي امتداداً فسلجياً طبيعياً لشكله النياندرتالي ، وتحولاً تلقائياً من شكله الحيواني الأول ، ان يصرخ بوجوه الساخطين عليه ، ويقول لهم : افهموا ماارى .
***
نرى ايضاً ، أن النص المفتوح غالباً (وليس دائماً ) مايكون طويلاً ، وذلك لأنه يتنفس من خلال رئتي الشعر والنثر معاً ، وهذا الأمر يحتاج الى نفَسٍ طويل من اجل إنجازه.
نرى أن النص المفتوح الطويل هو بمثابة الرواية في النثر ، والنص المفتوح القصير ، هو بمثابة القصة القصيرة ، مثلما ان قصيدة النثر تعد بمثابة القصة القصيرة جداً
. إذن ، دعونا نسحب الشعر الآن الى مدينة النثر بجرأة ومن دون خوف ، ودعونا نُدخله بشكل خاص الى زقاق السرد ، لأن امكانية هذا الزقاق في حمل الشعر على اكتافه كبيرة جداً ومؤثرة جداً على المتلقي كما نرى . بحيث نستطيع الخروج منه محملين بسرد شعري يعبر عن شلالاتنا الجمالية بشكل مغاير ومختلف ، ربما قد يقلل من إغتراب الشعر يخرجه من وحدته الحادة الآن


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima