من يفتح النص |
علي الاسكندري | 25/06/2008 |
الى اي مدى يسهم ما نسميه بالنص المفتوح بتحقيق قدر من الشعرية والانتقال بميدانها من الحال المستقر الى الفضاءات الواسعة التي توفر قدراً من الجمال والروعة في ميدان الكتابة؟ ثم هل هناك نص مغلق لكي نصطلح على الجنس الكتابي الجديد الذي نسميه النص المفتوح؟ وبرأينا ان الاجناس الادبية الاخرى وكذلك الفنون الكتابية والجمالية وهذا غير الشعر طبعاً تذهب الى خلف قوالب وشروط تطمئن لها وتتواءم وتتعايش معها ولا تمل منها بسهولة حتى تصيبها الشيخوخة والانحلال فيما عدا الشعر الذي لا يركن الى قالب معين او شروط محددة وان فعل ذلك ففي حدود فترة قصيرة. ولو عقدنا مقارنة بسيطة سنرى ان الفترة التي عاش فيها امرؤ القيس وما قبلها والتي تعد تاريخيا غامضة ولا يعرف لها تاريخ محدد لكننا سنجد اكثر من شاعر ومثابة ومحاولة كانت تشير الى وجود حراك شعري وفكري كان للشعراء الحصة الكبرى في ترويجه واظهاره للوجود، ولو تجاوزنا عصر الرسالة حيث انكفأت فيه الفنون الكتابية وتعطلت الى حد ما سنرى الانطلاقة الواضحة في العصرين الاموي والعباسي والتي قاد لواءها زرزر الكاتب وابو نواس وابو تمام ونخبة متقدمة من جمهرة الشعراء ولم نقل هنا او نذكر اسماً فعل هذا الفعل الخلاق لغير الشعراء خاصة فيما يهم ويخص النص الابداعي وتستمر السلسلة حتى تصل الى عصر جبران خليل جبران وشعراء المهجر عامة والذين ابلوا بلاء حسناً في تطوير الية الكتابة وتحولاتها والوصول الى المناخات التي وجدها اصحاب ثورة الشعر الحر جاهزة ومهيأة للخروج بحصيلة جديدة وهي قصيدة الشعر والقارئ الحصيف يدرك تماماً ماتلا هذه المرحلة من تحولات خطيرة في المشهد الشعري وما وصل اليه من تألق لكننا في الجانب الاخر من فنون الكتابة نرى ان الاجناس الادبية الاخرى في حذر دائم وترقب وكانها تنتظر الايعاز واشارة البدء من النص الشعري لكي تعلق تمردها وعصيانها ضد الانساق القديمة وقوالبها البالية، ونقول هذا استناداً الى المعطيات التاريخية وقراءتنا للمنجز الشعري ومقارنته بتاريخ الاجناس الادبية الاخرى فالمقامات التي انتجها عبدالحميد الكاتب وغيره من كتاب المقامات هي جنس ادبي سردي لم تألفه الذائقة العربية لكنه لم يظهر للوجود الا بعد ثورات شعرية وتحولات نصية كبيرة. من هنا نرى ان للشاعر حصة الاسد في هذا المضماروهو الذي يملك مفاتيح التحول والانفلات والمغايرة وماذلك الا لان المخيلة الشعرية هي فعل تراكمي موغل في القدم فالشعر ديوان العرب ودرسهم اليومي وقالبهم الاجتماعي وديدنهم الاعلامي الاول يوم كانت عجلة الاعلام تعتمد اعتماداً كليا على منبر الشعر واسواقه كالمربد وعكاظ. لذلك فان المخيلة الشعرية التراكمية ذات السياقات المدربة لها الفعل الاول في التحولات اللاحقة التي طرأت على جسد النص واشكاله وانماطه بينما الاجناس الادبية الاخرى التي جاءت لاحقاً ونؤكد على كلمة (لاحقا) لم تستطع ان تخلق سياقات وانماطاً وانساقاً تستطيع ان تتفاعل وتتجادل لافراز معطى جديد، بمعنى اخر ان الشعر هو الحالة المتفردة عامة والمتسيدة ابدا منذ فجر الفنون ولنا في قول (فريدريك نيتشه) شاهد قائم اذ يقول كل شعر منشأه ديني. ونحن نعلم ان الديانات هي البدايات الاولى للانسان وبهذا نتوصل بالضرورة الى قدم الشعر والشعرية لدى الانسان. لذلك فنحن لانستغرب ومثلما ذكرنا سابقاً ان تكون المبادأة والمبادرة في تطوير وتحول الاجناس الكتابية مرهونة بقبيلة الشعر بسبب الخبرة المتراكمة وجهوزية الاستنتاج لدى العقلية الشعرية. كما ان السأم والملل والخوف من الركود سمات تتميز بها العقلية الشعرية ونحن هنا لا نظلم او نتجنى على المبدعين الآخرين من كتاب القصة والرواية والمسرح لكننا نؤكد على الحساسية التي تتمتع بها العقلية الشعرية وما تؤدي اليه من دفع الى اكتشاف المناطق المجاورة للشعر والتي جاءت لا حقاً فالشاعر دائم البحث عن قارة لم تطأها مجسات الابداع والمبدعين وهو بهذه الخصيصة الفضولية والجريئة وربما المتمادية مد اذرع مخيلته ومجساته الفاحصة لمعاينة جنس القصة والمقالة والتشكيل والمسرح وهي اجناس حديثة بالنسبة للحقب الزمنية الطاعنة بالقدم لعمر الشعر. لذلك وجدنا ان النص المفتوح فيه نكهة السرد واصوات المسرح وبصرية التشكيل وجماله ومساحات واسعة من الاشارات والسيميائية وما ذلك الا لكون الشعر يعد بمثابة الابوة لهذه الفنون ولا احد يجرؤ على فتح ابواب النص غير يد الشاعر.
|
|
|
|
|