التحليـــــق بواســــطة الشــــعر
نيويورك تايمز : ترجمة ـ عدنان توفيق
28/06/2008
إن نظرة سريعة على سيرة الشاعرة س. د. رايت تؤكد مكانتها كواحدة من كبار الشعراء الأمريكان ، فهي موضوع لأكثر من عشرة كتب نقدية صدرت في السنوات الأخيرة، كما وأنها حاصلة على عدد من الجوائز وتدرس مادة الأدب في جامعة براون وهي من الشعراء القلائل لتي تحتل مكانة فريدة في مجال الأدب، ولدت رايت ونشأت في أركنساس وكانت قصائدها الأولى قد كتبت كما تسميها هي بالسرد.
الثقيل وقد بدأت معاناتها تجاه الأساليب الفنية منذ اللحظة الأولى من سيرتها كشاعرة حيث كانت قصائدها الأولى في الثمانينيات تبدو بعيدة جدا عن لهجة أركنساس السائدة وأكثر قربا للتجربة الناضجة للغة الشعراء رغم عدم استمرارها على نفس الأسلوب أو بشكل أدق بصورة تامة وفي السنوات اللاحقة عانى شعرها من تطور مستمر من خلال الانقلابات والانعطافات الجذرية، إن الأوجه المختلفة لأسلوبها الحالي يمكن مقارنتها مع أعمال عدد من معاصريها ولكنها وفي النهاية لا تنتمي سوى لمدرسة واحدة، الكتاب السابق لها (one big self) الذات الكبيرة الذي يوثق تجارب زيارتها لثلاثة دور إصلاحية في لويزيانا أثار القلق لعدة أسباب غير مبررة ،كان الحراس يعدون الرؤوس الشركات الخاصة المشرفة على السجون تعد أرباحها و النزلاء يعدون أيامهم وعملية التعداد هذه كانت وراء ظهور كتاب (Rising ,Falling ,Hovering ) الصعود والسقوط والتحليق ،والذي قدم إحصاءات دقيقة عن الخسائر الأمريكية في العراق، ويرد في أحد الفقرات (طوفان المشاعر يعسكر ليالينا وستائر العزلة تفصلنا عن أيامنا ،في السادس عشر من تشرين الأول تعيد الحانات الشهيرة الصاخبة فتح أبوابها في مدينة الهلال والزبائن يستأنفون الشرب والتمايل والسقوط والقدر يستمر في شن هجماته العنيفة، حقا متى تبدأ مسيرة القديسين)، إن تأكيد رايت على تحمل دور الشاهدة في تعداد وإعادة تعداد الضحايا يمنح مشروعها ملامحه الأساسية ويذكرنا بالشعراء الناشطين للقرن العشرين من أمثال كينيث فيرينك ولانغستون هيوز وموريل روكساير ولكن الأشكال المتشظية والإنتباهات الرشيقة لقصائدها توحي بأن الشعراء الناشطين في القرن الحادي والعشرين يواجهون تحديات جديدة طالما كانت التزاماتهم ليس فقط أن يلعبوا دور الشاهد على الشرور الواضحة بل أيضا فضح نماذج من المظالم أكثر خفاء وتعقيدا .
إن القصائد الجديدة لرايت تتناول مجموعة متنوعة من القضايا الشائكة، الحرب في العراق ،كارثة ما بعد إعصار كاترينا في نيوأورليانز، الهجرة اللامشروعة ،نتائج الرأسمالية العالمية على البشرية ورايت تفهم جيدا إنه لا يكفي البدء بتعداد الجنود الجرحى أو السدود المنهارة أو المعتقلين المكسيكيين أو العاطلين عن العمل فهي تتطلع لفهم الأنظمة المتداخلة التي تنتج هذه الظواهر، الجذور الدفينة التي تنبع منها هذه الإحصائيات، وفي هذا الموقع تبدو رايت في ذروة بريقها، ففي إستحظار نيوأورلينز والحرب في العراق وخلفية الشاعرة في بعد النظر تقودنا إلى الطرق التي بواسطتها يمتزج الشخصي مع العنصر السياسي، المحلي مع العالمي والخاص مع العام، إن العنوان الطويل والملحمي لهذه المجموعة من القصائد يمنح الشاعرة مساحة شاسعة لتتألف مع مثل هذه العلاقات دون أن تضطر لفرض مواضيعها، لتجعل التقارب بين عاصفة ثلجية في جزيرة رود وعاصفة رملية في العراق، وفي فقرة أخرى تقول (ترى هل سيفتحون أسواق مركزية في الفلوجة بعد استتباب السلام ،ترى هل هناك نهاية لهذه الحرب، هل هذه الحرب هي حرب الجميع ضد الجميع، من الذي سيبني الجدار الكبير بيننا ،الذين لا يمتلكون الشرعية؟ أم الحراس أم الملائكة ) ومن الواضح إن المقارنة بين ما فعله المستعمرون الأوربيون بالسكان المحليين مع ما فعله ويل مارت ((مؤسس الشركات المساهمة الكبيرة في بداية القرن التاسع عشر)) بالولايات المتحدة تبدو مقارنة مزيفة ولكن ليس هذا ما تقصده رايت فهي لا تؤكد على المتساويات مثلما تركز على المتوازيات من خلال التكرار والتنوع وأيضا من خلال البنى الشكلية، فهي تصف المهاجرين غير الشرعيين وهم يعبرون الحدود وكأنهم يدخلون ثقب الذاكرة والتي نفهمها نحن بأنها عملية شاقة في ترك منازلهم المألوفة وعوائلهم خلفهم وهذه الفقرات تذكرنا بما ورد في الصفحة السابعة عشر عندما تم نهب متاحف ومكتبات بغداد خلال القصف الأمريكي عام 2003 والذي يفتح ثقبا أخر في الذاكرة، إنها لحظة مثيرة بالنسبة للقارئ المنتبه فكلا المثالين يمنحان معنى فرديا لسلوك جماعي ولكن هل هما فعلا مرتبطان وإذا كانا حقا مرتبطين فأن رايت تترك لنا الخيار لنفكر على أي نحو وبهذه الطريقة نكون قد اشتركنا في البحث حيث إن مشاركتنا مطلوبة إلى درجة لكي تكشف القصائد عن مضامينها، إن هذه مسؤولية غير ملزمة ولكنها من النمط الذي يمنحنا سلطة كبيرة لدى قراءة القصائد، فحضورنا ضروري ضمن هذه القصائد ورايت تدعونا إلى ألا نهمل هذا الحضور.
نافذة اعلانية

Designed by NOURAS
Managed by Wesima