ثمـرة العقـل البـاردة
جمال الساعاتي
30/06/2008
الفعل الفلسفي بارد وفي الشعر يتوجب مزجه بالوجدان بحيث يتوجب ‏على الشاعر ان يصنع(وجده الشعري) عبر الفيض الروحي للحب الذي ‏يستوعب العالم. حيث يتأسس العالم على الارض. وعلى
الارض تتأسس ‏القصيدة.
القصيدة هي على العالم نفسه بذات السخرية. (ان الفلسفة ‏الحقيقية تسخر من الفلسفة) يقول باسكال. وهكذا يداخل احمد عبد الحسين ‏في نصه (جنة عدم) ونصوص اخرى، مجموعة نصوص بكثافة فكرية، ‏وهو بهذا ينفلت عن التقاليد الادبية، ويذهب الى فلسفة العرفان ليتحول ‏الى شاعر عارف او عارف شاعر. حينما يتحدث مثلا عن زجاجة ‏الزجاجة، فهو يعود للموروث الصوفي العربي الانساني، حيث الروح ‏تكمن خلف هذه الزجاجة الخفيفة، لعلها الجسد الذي وراءه يكمن صفاء ‏القنديل. ويرمز القنديل الى المعرفة او ضوء المعرفة. ليضبط احمد عبد ‏الحسين نسق قصيدته يقوم بخلق موازيات لغوية كما فعل في (الهواء ‏الاخير) وكما فعل في قصيدته الجادة (ارباب جمشيد) التي هي قصيدة ‏عدمية بامتياز. اي يلعب لعبة التكرار ليخلق لنا مناخا حسيا صوفيا ‏حميما، مع اصوات ابطاله وهم يهذون او يتقدمون كخبب فرسان فوق ‏العشب. ان احمد عبد الحسين يلعب اللعبة المجازية في القصيدة، فهو ‏يقول شيئا ليفتح الضوء على اشياء اخرى،، عندما يتكلم عن " دواب ‏اليقين" فانه يتكلم..مثلا.. عن عالم الغريزة الحيوانية:‏
‏(كيف تجهش حيوانات الرمل ودواب اليقين)‏
حيث ان ماوراء الطبيعة متسلسل في الطبيعة، والغريزة الحيوانية في ‏الانسان هي العماء الفكري، الذي يحول العاطفة الى رثاء.كما يؤكد ‏المعري:‏
‏(والذي حارت البرية فيه ‏
حيوان مستحدث من جماد)‏
ان السلسلة النشوئية عند الشاعر هي سلسلة ما ورائية تاتي عبر ‏الحب،يقول ابو يزيد البسطامي:‏
‏(شربت الحب كاسا بعد كاس ‏
فما نفذ الشراب ومارويت)‏
ويقول القديس اوغسطين (السعادة هي ان تسعد الاخرين) .. هكذا يغدو ‏الشعر ضربا من او محاولة لاستعادة العالم، وتفسيره هذه المرة عبر ‏السرد ،لاستعادة الفردوس المفقود. الشعر البسيط والصافي الذي يتحدث ‏عن الكل، واعني بالكل العالم. نحن الذين نسيء فهم العالم والوجود. ‏يتوجب ان نقلب الحقائق الوجودية، لنصل الى حقيقة الانسان والوجود، ‏حيث المتصوف او الشاعر العارف يتحدث عن(وحدة الوجود) التي تلي ‏‏(وحدة الشهود) في فلسفة اللاهوت. يصبح الشاعر شاهدا، شاهد ‏الوجود...شاهد العصر. الرائي كما يصفه عبد القاهر الجرجاني ورسالته ‏التي ينبغي ان يقدمها عن العالم. لماذا الشعر؟ سؤال يمكن ان يوجه الى ‏اول شاعر كتب اسطرا وكتب فوقها كلمة شعر. الشاعر هو المغامر الذي ‏يتقدم اشياء الطبيعة. ليقول الحقيقة. لينشد فكرا. ‏
في قصيدة (الاسم) مثلا ، يبتدىء الشعر بالاسم الاول(كان لي اسم). لقد كانت ‏للالهة اسماء، كما كان لمردوخ اكثر من خمسين اسما في الحضارات ‏القديمة. ولكل اسم كان ثمة دلالة كالاسماء الاسمائية والاسماء الفعلية ‏والاسماء الصفاتية للفظة(الله). وهكذا وفقا لهذا التصور الذي ينهض على ‏مبدا الاسم. لقد كانت هناك فعالية للاسم في الفكر القديم كما يؤكد عبد الله ‏ابراهيم في مقاله، (برج بابل، المخيال والوعي الميثلوجي،، ايلاف ‏الالكترونية) هكذا يكتسب الاسم طاقة لاتتصور، ولذلك ابتدأ الشاعر ‏مجموعته(جنة عدم) بقصيدة(الاسم).... رغم ان الاقدام تقود نحو ذلك ‏الاثر الضائع نفسه، الشعر، الكلمة التي تكتب على الريح، الا ان الشعراء ‏يستمرون في الكتابة. كان الشعر يقود الى الهاوية. والهاوية هي كل شيء بلا قرار. انها سقوط في اللامتناهي. هوى(سقط الى حيث لاقرار). فكل ‏كائن يمضي الى اقصى هدفه، اقصى مايمضي وهكذا يفعل الشاعر ‏صاحب الكلمة القدسية، وهكذا يفعل احمد عبد الحسين بالشعر، حين ‏ينادي مثلا على الاسم فانه ينادي( اصل الاشياء) الاشياء دون مسميات ‏تضيع، تتلاشى في حقل او عشب النسيان حتى يجد العقل البشري ‏بديهياته. اقصد ان الاسم هو من الاواليات الفلسفية الحقة. التي اثبتها ‏البرهان. لكن الشاعر حين ينادي فهو (المنادي) على الاسم انما ليخلق ‏وجودا وكينونة جديدين يقول ‏
‏(كان لي اسم ‏
وحدث اني نزلت السلم مسرعا....) ‏
هكذا سيعني السلم هو السلم الوجودي، اذن نحن هنا حين نسمي الاشياء ‏بمسمياتها ندحض العدمية، ودحض العدمية هو دحض العدم،لاثبات ‏الهوية الوجودية للمسمى.لكن العدم سيعود الينا بالموت هكذا ستخبر نفس ‏القصيدة. حيث ان كل انسان بمثابة مصلح او نبي، ذلك ماترمز اليه ‏كلمات" اكليل الشوك". لكن العدم سياتي ايضا في العبارة.
‏( وكانت الهاء في "انا انزلناه" اشارة الى هوية الغيب المطلق.."هو".)‏
‏ ‏اذن السطر السردي هو عبارة معرفية تحيلنا الى المعرفة العميقة عن ‏الذات الالهية، ولاضير في ان المثل الاعلى خلق على مثاله. ان الاسم ‏يطابق المسمى ، اي ان الانسان خلق على مثال ربه. بان الهاء في كلمة ‏‏(الله) هي الاخرى ضائعة ورمز لغيب الهوية. اذ للرب اسم واحد،وباقي ‏الاسماء هي صفاتية. وان الحجاب هو مايمنع الوصول، عند الصوفي، ‏والحجاب هو (اني) عند الحلاج..في (بيني وبينك اني ينازعني....) ‏،والزجاجة عند ابي نؤاس( شف الزجاج....)، وهي زجاج الزجاجة، ‏والغلالة المزركشة هنا في قصيدة (الاسم). ‏
كما ان العنوان المتناقض هو (جنة عدم)، هو الشيء ونقيضه. يبحث ‏الشاعر هنا في الشيء ونقيضه، عن الضوء الذي يضيء المعنى.الضوء ‏الفلسفي اللاهوتي..‏
‏ ‏‏(هو: الرحم البارد الكاذب السام الذي بانقباضه وانبساطه اكون)‏
هنا حيث الكينونة تشير الى الذات الاولى....وهنا اشارة لطيفة الى ‏عبارة(بسم الله الرحمن الرحيم)،التي تنطوي على معنى لاهوتي ان خلق ‏الخلق بالرحمة الرحمانية العامة وسيقبضون بالرحمة الرحيمية الخاصة. ‏ان رحم الذات الالهية هو الكون، وقد الخلق من طبيعتها (الذات) او على ‏جنسها وشاكلتها،ان الطبيعة هي مرآة الذات الالهية. او عبر مالاتطيق ‏قوة الكائن- الشاعر الذي يريد ان يحدس كينونته وان يشير اليها. فهي ‏ذات منوجدة (ذات الشاعر) في مكان وهي تحرق او تستهلك طاقة ‏الزمن. الوقوع في النسبية الاينشتاينية هو الاشارةالى هو المطلق الى ‏الابدية. قبل ان تتحول المعرفة ذاتها الى اصنام يقول: ‏
‏(كالاصنام الصغيرة في لفظة الله)‏
الاصنام هي كناية عن عدم الرؤية. الرؤية ذاتها حجاب والحروف ايضا ‏حجاب والكلمة حجاب، كذلك يتحول الله الى حجاب عن نفسه، وهنا ‏ينغلق العالم والوجود. الكلمة انها اثر الالهة الهاربين، حيث يتجسد ‏الحضور في الغياب والغياب في الحضور ، وحيث يصبح العالم ضد ‏نفسه: الانغلاق التام. او الصمت كما يستخدمه في قصيدة (الكروبيون). ‏والانغلاق هو عكس الانفتاح. ان" المقدس هو اثر الالهة الهاربة" يؤكد ‏هيدغر.
ان الاثار التي نمضي عليها هي غائبة او ضائعة عادة. لكنه ‏الشاعر هو المغامر الذي يحاول ان يجدها. ان يكتشف اثر الالهة، وحينها ‏يصبح الشاعر لاادريا كالحلاج،حين يصرخ منتصف الليل مرتعبا( ‏حقيقة..حقيقة، وهم ..وهم) حيث التصارع مابين المثالي ‏والواقعي،المرئي واللامرئي. حينها سيكون الصمت ابلغ العبارة:(اذا ‏اتسعت الرؤية ضاقت العبارة).
وهكذا علينا ان نفسر الصمت كنوع من ‏اللعب بالكلام، او بما يحيل للكلام كفعل.‏
في قصيدته ( الكروبيون ) يعطي الصمت حيزا. حيزا لالاسدال الستار ‏المسرحي بل لفتح الستار الوجودي. او سؤاله في قصيدة ( زهرة سوداء) ‏التي تشبه حجر الفلاسفة:‏
‏‏(لكن الروح روح من؟)‏
‏-هنا يتساءل عن اصل الروح. وان الزهرة السوداء التي هي عالم ‏المعرفة والحكمة،هي النهاية اليائسة للروح. فالروح لاتموت حين تموت ‏وانما تحيا بالعلم والمعرفة.‏


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima