قصائد عراقية تسيل الدمع في هوروشيما |
هادي الحسيني | 02/07/2008 |
لقد عرفت الشاعر العراقي باسم فرات عن قرب عام 1995 في العاصمة الاردنية عمّان وكان داخل وطنه العراق المحاصر يرسم بيانه الشعري بهدوء تام من دون ان يلفت الأضواء من حوله ، وحيث لا مكان لشاعر عراقي شاب ومتمرد علي واقعه في تلك الظروف العصيبة التي مرت بالوطن العراقي . وفي عمّان أستطاع هذا الشاعر الشاب ان يتسلل بنصوصه التي كان ينشرها في الصحافة العربية ويشد اليه انتباه النقاد والشعراء علي حد سواء ، وكانت همومه الشعرية أكثر من همومه الحياتية والمادية ، ولذلك كان مخلصاً للشعر بطريقة تكاد تكون مختلفة عن مجايليه وممن سبقوه ، فقد مّر المثقف العراقي في بدايات العقد التسعيني من القرن المنصرم داخل العاصمة الاردنية عمّان بظروف مادية صعبة ومؤلمة أكثر تعقيداً وبؤساً من سنوات الحصار العراقي داخل الوطن ، إلا أن باسم فرات كان كلما جلسنا في مقهي العاصمة بعمّان كان يهم بقصيدته وكيف يتسني له تطويرها في ظل التطورات الكثيرة التي اجتاحت النصوص الشعرية منذ ثورة الشعر العربي الحديث التي أسس لها السياب ونازك والبياتي واخرون وصولا الي قصيدة النثر التي كانت تصطدم بالذائقة الثقافية وكانت غير مسموح لها ان تحلق في فضاءات الكتابة والنشر أسوة بالشعر العمودي او الحر وطبعاً كان هذا نابعاً من تخلف المؤسسة الثقافية ، لكن قصيدة النثر أخذت شيئاً فشيئاً مساحتها الطبيعية في الخارطة الشعرية العربية الامر الذي جعل من الجميع أن يقتربوا منها ويجربوا الكتابة فيها ، وهكذا فقد أصبحت قصيدة النثر الأكثر شيوعاً في ايامنا هذه .وفي عمّان أستطاع الشاعر باسم فرات أن يحصل علي عمل كمصور في أحدي محلات التصوير الاردنية ليتمكن من أن يبقي علي قيد الحياة ، خاصة وانه عمل كمصور في وطنه العراق ، فكانت ألتقاطاته للصورة ذكية وكأنه يلتقط الصورة الشعرية والجملة الاجمل داخل قصيدته ، كما واستطاع من خلال عمله هذا أن يساعد العديد من أصدقائه الذين كانوا يرزحون تحت طائلة العوز والجوع بسبب عدم حصولهم علي عمل ما ، فيما كانت فرصة الحصول علي عمل في المجال الصحفي او الثقافي أمر من المستحيلات التي لا يمكن باي حال من الأحوال الحصول عليها ، ولهذا ذهب العديد من أدباء العراق في عمّان للبحث عن مصدر عيش حتي وان كان شاقاً . وكان لوجود البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر وأساتذة وفنانين صدي كبيراً ومحفزاً أكبر لكتابة نصوص عراقية جديدة في عمّان كما وان النقاشات واللقاءات والامسيات الثقافية التي اقامها ادباء العراق جعلت من الساحة الثقافية الاردنية أن تزدهر وتتطور بعد ان كانت شبه راكدة ، وفي هذا المعترك الثقافي الذي يضم العديد من مدارس الشعر الحديثة أستطاع باسم فرات أن يكتب نصاً صافياً بانسانيته مستذكراً عذاباته منذ اول لحظة فتح عينيه فيها علي الدنيا بعد ان أنكسر الطفل الرضيع في مدينته كربلاء ليشاهد فاجعة والده التي كانت مرسومة بعيون امه الثكلي ، منذ تلك اللحظة الثاقبة خلص فرات الي اللوعة والقهر والحرمان من الاب ليرتمي باحضان امه التي استطاعت ان ترسم ملامح الاب فيه بعد ان اصبح شاباً يافعاً ، وبهذه الآلام والمآسي التي رافقته منذ الطفولة خط نشيد الحزن في قصائده التي كان يكتبها داخل الوطن لتتبلور تجربته وتنضج في عمّان علي مدي سنوات التسعينيات ثم يرحل بعيدا عن العالم حيث نيوزلندا ويستقر فيها لسنوات ويصدر ديوانه الاول ( أشد الهديل ) عام 1999 عن دار الواح في اسبانيا ، ثم ينتقل الي اليابان حيث هيروشيما تلك المدينة التي أغتسلت بدماء ابنائها يوم ضربت بالقنبلة الذرية .وتطورت تجربة باسم فرات اكثر فاكثر وتعمق كثيراً بقراءة التاريخ القديم والحديث فيما تعمقت جذور قصيدته حتي اصدر مجموعته الثانية ( خريف المآذن ) . وأردفها بمجموعة ثالثة تحت عنوان ( أنا ثانية ً) ليقف الجميع نقاداً وادباء أمام تجربة شعرية جديدة انبثقت من الشعرية العراقية التي كانت ومازالت السباقة في طرح الجديدة وتطوير القديم باستمرار ، انه الامتداد الحقيقي للمتنبي والجواهري والسياب والبياتي وما بعدهما ، وهكذا هو الشعر العراقي الذي يرفد الشعرية العربية بشعراء من طراز خاص ودائماً ما تكون نصوصهم هي الحكم الوحيد لهم في غابة الشعر العراقي خاصة والعربي عامة ، وقد تجاوز نص فرات الشعرية العربية ليخرج الي العالمية وتترجم نصوصه الي الانكليزية ولغات اخري الامر الذي مكنه كشاعر شاب ان يقرأ جيدا ما يكتب من شعر بلغات اخري مقارناً ما بين النص العربي والانكليزي والذي استطاع النص العربي ان يقفز في احايين كثيرة علي نصوص عالمية . انه الشعر الذي لا يعرف المستحيل . ولعل موجات وكميات الألم والحرمان والحروب والدمار والموت المجاني التي تضغط علي الشاعر العراقي لتجبره علي تدوين ذلك الألم بالطرق الفنية الجمالية مكنته لان يتفوق في نصه علي نصوص الاخرين وفي مناسبات كثيرة ، وفرات هو واحد من شعراء العراق الذين اخلصوا لنصوصهم وجعلته لان يتبوأ مكانة مرموقة في الخارطة الشعرية العراقية ، أن الشاعر باسم فرات هو تجربة شعرية نابعة من قلب الألم العراقي المفجع .... |
|
|
|
|