أطفال الطين .. أو رؤية الشاعر الماهر لتطورات الحداثة الشعرية
محمد ثامر يوسف
05/07/2008
يفكر أوكتوفيو باث بتطورات الحداثة الشعرية، كشاعر من طراز خاص، كشاعر مثقف،تلقي نظرته الشمولية العميقة وانتباهاته بظلالهما على قراءته لمسيرة الشعر منذ البداية. يحكي عن تحولات النص وصيرورته عبر الزمن ومنعطفاته في التاريخ .

رؤيته وآرائه الثمينة في كتابه الجميل(أطفال الطين) تعطي درسا بليغا مليئا بالحجج والذرائع عن الطرق والوسائل التي أنتهجها الشعر بنفسه، مثلما هو تماما كتابا جعله "باث" مليئا بالوقائع والاسماء والاحداث وتحولات المدارس والخطط .(هل للشعر خطط ما.. يقول)، غير أنه يذكر مثل تلك النوايا والاستعدادات، يحايثها ويشير اليها ولو بالايماءة.
هذه التفاصيل المكتظة، هذه الوقائع المليئة بكل شيء حول الشعر وعنه لاتشكل ضغطا على كتاب قليل الصفحات نوعا ما، بقدر ما تسعى لبلوغ تعريف شامل ومكثف لفحوى التجربة الشعرية وتاريخها من وجهة نظر شاعر متمرس وكبير، لايعاكسها تماما أو يقف ضدها ، وأن سخر من بعض المسلمات المقدسة وماحك أخرى وجدها بحاجة لايضاح . وهو هنا أيضا لاينحاز بل يضم ويحتضن الكثير من النظريات والقيم الشعرية والثورات الداخلية التي شهدها الشعر عبر ديمومة تطورات لغته من داخلها ، تلك التي كانت ضرورية بعلاقاتها الجدلية المستمرة مع الدين والفلسفة والزمن ، بل حتى مع العصر الصناعي(يشير) القادم بقوة (حينها) مع محدثاته المفترضة، حداثة النص في المقابل ، بجذوره العميقة في أوربا وأمريكا اللاتينية أو مايسميها هو بالاسبانية الامريكية، ليثبت نظرة فاحصة عميقة تحيل دائما الى التأثيرات المتبادلة والانعكاسية بينهما والتي تبتعد بقدر هام عن الاحالات الفلسفية المغرقة أو التعميمية المفرطة ، على الرغم من حديثه الدائم في الكتاب عن العلاقات الوطيدة مابين نظريات الفلاسفة المحدثون ونظرتهم للشعر الخارج لاول مرة عن تابوات النظم والقوانين والخوف . فكتابة (أوكتافيوباث) تقترب بثقة من تأشير هذا التأثر والتلاقح بحساسية التفسير التأريخي للشاعر وليس للمؤلف أو الناقد في محاولة لفك شفرات التحولات النصية في تاريخ طويل وملحمي بحثا في قراءة المعنى أو الجدوى لحداثة لاتزال تقدح بكثير من الاسئلة حتى الان. لايجيب أوكتافيو باث بطريقة مباشرة عن أصل فكرة الحداثة أو بداية كتابة النص الجديد، أذ أنه أصلا هنا يتحدث عن الزمن بوصفه كلا واحدا دائما غير منقطع، أنه يستخدم مثلا مصطلح(التراث الحديث) أو التراث الذي ينفي نفسه وهو يشير لتطورات اللغة (وبوسعنا أن نستنتج أن التراث الحديث والافكار والصور المتناقضة التي يثيرها هذا المفهوم هي نتيجة ظاهرة أكثر أزعاجا، يحدد العصر الحديث تسريع الزمن التأريخي وأذا كانت الشهور والاعوام والايام في الحقيقة تمر بسرعة أكبر وعلى الاقل تحدث فيها أشياء كثيرة في الوقت نفسه، فأن تسريع كهذا هو عملية صهر متدفقة لجميع الازمنة والامكنة والاشياء معا) أنه كمن يشير لتفجرات مستمرة كبرى غير متوقفة وكأنها في الزمن وخارجه في آن ، تفجرات ترتبط بالجانب الكوني والانساني في جميع العصور، أي عن الميراث الاصلي غير الواحد أي المتعدد في الكون والعميق على أساس أن الخيال الشعري كان حاضرا منذ القدم حتى في ذروة حضور الهاجس الديني وسيطرته أو سيادة التفكير الاسطوري الطقوسي الاول.
يكتب أوكتافيو باث بحماس أقل وهو يشير الى ماخلفته الكلاسيكية المحدثة أو عن دورها كواحدة من المفاصل التاريخية في حياة الشعر ولكنه من جهة يتحدث بأستمرار عن دور الحركة الرومانسية الكبير، وربما قد يلمح الى النقلة النوعية الاولى للكتابة الحديثة التي بدأت كما يرى منذ الان، حتى مع تأثيرات أخرى كونية حدثت ،ليس فقط مع تعاليم الثورة الفرنسية وتأثيراتها وأسقاطاتها، ولا في الخلاص من سيطرة الزمن الاسطوري/الايدلوجي المستمر طويلا يجرف الشعر ،المغيب بشكل ما للحساسية الشعرية والخيال الحر والمتمرد ولكن بصورة أشد في التفاصيل اليومية الجديدة التي بدأت تشغل الانسان بالتحولات الجذرية التي بدأت تكشف الانتباهات الاخرى هناك في العالم . وبهذا بدأت كنوز حقيقية تنكشف امام الرؤيا الجديدة والتي قادتها الرومانسية الانكليزية والالمانية أولا بحثا عن استفادات جديدة خصوصا في الموروث الخفي لآداب الشعوب وتركات الانسان وفلكلوره ومآثره في كل مكان.
استلهمها كثير من الشعراء حتى عدت كتابات هولدرين ووليم بليك وغيرهم ماهي الا ترنيمات متمردة غريبة وضرورية كانت تستلهم الكثيرمن كل شيء ولهذا بدا ان البحث عن افاق مغايرة غير تلك السائدة في الشعر هي اصل مغامرة الكتابة العجيبة والمكتنزة والخطرة، او المرجوة بعيدا ابدا عن التراخي القديم. تلك النزعة التي اعلت من شأن الطبيعة حتى اضحت افكارها قريبة من شأن افكار الغنوصيين (العرفانيين) كذلك اعلت من شأن الجسد ايضا، من شأن الرغبات الايروتيكية والمتعة. وبهذه القوة نفسها بدا الشعر يفتح نوافذه بحرية،حرية كان يصبو اليها، وان كانت هذه التقدمات هي كا لكوارث بنسبة الى النزعات الفلسفية ومن نظرة العقل للموضوع، وكان وليم بليك سيد هذه القيادة والحرية ولهذا بدأ الشعر الفرنسي تاليا غير منقطع عن هذه التمهيدات ولا منفصل ايضا عن المسار الرومانسي الذي بدأه الشعر الفرنسي بالرغم التغييرات الكبيرة التالية. ووفق مبدأ التناظر الذي يرتأيه (باث) فان الرمزية الفرنسية أو قصيدة النثر فيما بعد، ماهي الا نسخة معدله تقريبا لتأسيسات الرومانسية الاولى في أوربا وتاثيراتها بل استعارتها ولكن بأسئلة اخرى وحنين مختلف جارف وحر ومتقلب ،حنينا بدأ متضادا مع العقل لوهلة، تعارضا مع بناه وقيمه السائدة وضد قوانين الفلسفة الحادة الاقل تخيلا أي انه في الواقع ضد التابوات التي وضعتها القوانين الدينية المؤسساتية وضد قوانين المجتمع الصناعي الجديد (فأعطت مكانا رئيسا لاهواء، ورؤى الجسد: للايروتيكية والحلم والالهام وحاولت ان تهدم الواقع المرئي كي تعثر على واقع اخر سحريا فائقا للطبيعة واكثر من واقعي). هكذا اعطى تمرد الشعراء العظام قوة جديدة لفضل الشعر وتأثيره.
منذ مالارميه ورامبو الى جويس وفاليري وبودلير وحتى بالطبع الامريكي الجميل العظيم والت وايتمان، إذ يبدو رأي (اكتوفيو باث) بوايتمان رأي المحتضن بلا تردد بتأثيره بمسار الشعر العالمي واللاتيني ولصوته الخاص بصورة اشد منذ بداية التعرف على فصاحته ولغته والحضور القوي له ولصور الجسد والاحلام والامل في شعره. (كانت الاسطورة الثانية هي والت وايتمان ،السراب الخفي، كانت عبادة الشاعر عبادة تشابه، وكان الولع بوايتمان اكتشافا مضاعفا كان شاعر قارة اخرى، مجد وايتمان الديمقراطية والمستقبل) يقول اكتوفيوباث بحرارة.


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima