الشاعر و الروائي السلفادوري أرغويتا .. الشتات والمنفى |
| 05/07/2008 |
ولد الشاعر و الروائي مانليو أرغويتا Manlio Argueta في سان ميغويل ، في السلفادور ، في عام 1935 . و هو من جيل أدبي مؤلف من مثقفين متميزين تأثروا بجان بول سارتر ، و كان لهم دورهم الفاعل في نقل الانشغالات الوجودية إلى أمريكا الوسطى . و قد امتزج في رواياته المجازية التساؤل الفلسفي مع قوة الشعر . و ترقى الأسئلة المحددة في أعماله القصصية إزاء قضايا الحرية ، و المعاناة ، و التحرر ، و المسؤولية إلى مستوى التطبيق العملي . و قد أصدر العديد من الأعمال الأدبية ، مثل ( مكان يدعى ميلاغرو دي لا باز ) ، و ( Cuzcatlan : أين يضرب البحر الجنوبي ) ، و ( يوم واحد من الحياة ) . و مُنح جوائز عديدة ، و تُرجمت بعض أعماله إلى أكثر من 12 لغة . و كانت روايته ( يوم واحد من الحياة ) ، التي مُنعت في السلفادور خلال الحرب الأهلية ، قد صنَّفتها ( المكتبة الحديثة ) خامسةً في قائمة أفضل مئة رواية أمريكية لاتينية في القرن العشرين . و ننشرهنا جانباً من المقابلة التي أجرتها معه كلوديا م. ميليان أرياس لمجلة Ciber Letras . *كلوديا / في مقابلةٍ أُجريت معك وصفتَ أمكَ بأنها عاملة يدوية شريفة و متواضعة الحال علَّمتكَ " غموض الأصوات الشعرية " . أرجو أن تتوسع في إشارتك هذه من خلال التحدث عن تكوينك الأدبي و العوامل المؤثرة فيك ككاتب ، و عن الطريقة التي تربط بها علاقتك الأدبية بالموروث الفكري في السلفادور و أمريكا اللاتينية . *أرغويتا / ذلك الوصف المتعلق بأمي هو فقط للتأكيد على المفهوم القائل بأن الشعر و الفن ، في أقاليم المحيط ، لا ينبثقان بالضرورة من الأسر النخبوية فكرياً ، كما يحدث غالباً في عاصمة البلد . و أنا لا أريد أن أعمم ، و لا أعالج هذه الأمور نظرياً ، و إنما أن أصورها ضمن مضامين حياتي . فأنا أشير ، في ما يتعلق بـ " غموض الأصوات الشعرية " ، إلى طفولتي . أريد أن أقول ما هو نتاج الأحداث، نتاج ما يمكن أن يبدو " غير قابل للتفسير " لكنه يمتلك تفسيراً . فالعنصر الإيقاعي و الموسيقى الداخلية هو المفتاح الرئيس للشعر . و هذا يتعلمه المرء و هو طفل أو لا يتعلمه أبداً . و لقد شرحتُ هذا في روايتي ( Siglo de O(g) ro ) . الطفولة هي موطن الشعر . و الشاعر يشبه عازف الكمان و عازف البيانو اللذين يتعلمان منذ الطفولة . لكن في الشعر ليس هناك آلات ملموسة، كما في الموسيقى، و ذاك هو لماذا تقترن الأصوات الشعرية بالغموض ("الجنِّيات"، "الأشباح"، "عرائس الشعر"). و تفسير ذلك أن هناك " تغذية " أو مراكمة للصور التي تسند إشارات الدماغ من خلال الأحاسيس، و التي ستكون أغنى إذا ما جرى تطويرها منذ الطفولة. و هذا هو ما سيظهر لكونه نتاجاً دماغياً غير قابل للتفسير، أما عن رغبتي في دمج نفسي في الموروث الأدبي فهي تنشأ من قراءاتي في فترة المراهقة للأدب العالمي . *كلوديا / نشرت صحيفة نيو يورك تايمس عرضاً لكتابك (Cuzcatlan) : أين يضرب البحر الجنوبي ) ، قال فيه الناقد ألفريد ماكآدم بلا محاباة : " إننا نتعاطف مع فلاّحي السيد أرغويتا و نقف إلى جانبهم ضد مضطهديهم ، لكننا لا نتجاوب مع النص كعمل من أعمال الفن " . ما رأيك ؟ *لا بد أن السيد ماكآدم لم يقرأ الرواية بلغتها الأسبانية ، و هكذا فإن من الصعب عليه الدخول إلى أبعادها الجمالية . فاللغة تلعب دوراً مهماً في فهم الجمالي من قطعة الأدب . و يمكن للمرء أن يقيِّم ميِّزات أخرى في الترجمة : الموضوعة ، التقنية ، الانفعال أو العاطفة ، أجزاء أخرى من عظمة العمل الأدبي . و هذا ما يحدث لي مع كاتب أثَّر بي كثيراً و قرأتُ له في ترجمات ، ج. د. سالنجر ؛ من ناحيتي ، سيكون من الوقاحة أن أحكم على عمقه الجمالي من دون قراءته بلغته النيو يوركية . " كلوديا / ما رأيك باليسار السلفادوري داخل و خارج السلفادور ؟ *أرغويتا / أنا لا أؤيد مفهوم المفكرين السلفادوريين اليساريين . نحن ببساطة مفكرون أمريكيون لاتينيون نقوم ، عموماً ، بتغطية الفجوات الكبيرة على مستوى التصور الإنساني ؛ و بهذه الطريقة ، برز غارسيا ماركيز ، فارغاس لوسا ، فونتيس ، رالفو ، ساباتو ، كاربنتير ، و آخرون و من هنا يأتي موقعهم الخيالي في الأدب : وصلوا ليغطوا الفجوات التي نشأت في الهيمنة الكولونيالية . و كنا ، نحن في أمريكا الوسطى ، ملزمين أخلاقياً بتغطية خطوط الصدع الواسع التي توجد في محيط المحيط. *كلوديا / هناك كتَّاب لاتينيون في الولايات المتحدة ، مثل ديميتريا مارتينيز و ساندرا بينيتيز ، نشروا كتباً حول الحرب الأهلية السلفادورية . هل قرأتَ أيَّاً من هذه الروايات ، و ما رأيك بالطرق التي يجري بها تصور السلفادورية و تأويلها من قبل جماعات عرقية أخرى ذات روابط أمريكية لاتينية ؟ *أرغويتا / لم أقرأ لهاتين الكاتبتين ، لكنِّي قرأتُ لسلفادوريين مثل ماريو بنكاسترو ، روبين مارتينيز ، مولينا ، إفانو غاليندو ، كاتان . لكن هناك أيضاً أولئك الذين يعيشون في بلدان أخرى ، و يعززون أدب المناطق المحيطة داخل المركز أو العاصمة . و أُشير بذلك إلى كندا ، أستراليا ، ألمانيا ، سويسرا ، السويد و فرنسا . و أتحدث عن ربع السكان ، و هم نسبة الذين يعيشون خارج السلفادور . و من الصعب القول بالضبط كم ستكون حصيلة هذه التغيّرات . مع هذا ، أنا متأكد من أنها لن تكون سلبية ، و إنما هي ببساطة تجعلنا مختلفين . فالكينونة الوطنية لن تختفي ، لكن ستكون مختلفة من ناحية مقدار ما تمتصه منها الثقافة العالمية . *كلوديا / هناك مناقشات، في دراسات الشتات المعاصر، بشأن ما يربط جماعات معينة من الناس معاً وما إذا كان هو التشوق للعودة إلى الوطن، أم المشاركة الفعالة في تطوير الوطن، أم تاريخ القمع و التهجير.. ما الذي، رأيك، يربط جماعات سلفادورية مختلفة مشتَّتة في أماكن مثل أستراليا، المكسيك، السويد، الولايات المتحدة، و غيرها من البلدان ؟ *أرغويتا / إنه الحنين إلى الوطن الذي يوحدهم، مع خسارة أن هذا الحنين يوحِّد فقط الجيل الأول من المهاجرين . فنحن لا ندري ما الذي سيحصل مع أولئك الذين يتطورون في الجامعات، أو الذين يتولون الآن مناصب في تلك الجامعات أو في مراكز البحوث ، و حتى أولئك الذين في المراحل الاستثنائية من المجال السياسي . و لدينا هنا جورج سنونو ، و هو ابن امرأة سلفادوري ، صار رئيساً لموظفي البيت الأبيض ، و هناك السيناتورسيليكون فالي ، الذي يمثِّل واحدةً من أكثر مناطق البلاد تقدماً من الناحية التكنولوجية . و دعينا لا ننسى أن الولايات المتحدة بلاد شكّلها مهاجرون في هذا القرن : أيرلنديون ، إيطاليون ، يونانيون . و بعض هؤلاء المهاجرين لم يفقدوا صلتهم بثقافاتهم الأصلية، حتى بعد عدة أجيال، لكن لو فقط فهمنا الشتاتات أو المشتتين بوصفهم من أسباب الانفصال أو مستهلكين محيطيين، ذلك إن الروابط ستبدأ بالتلاشي هنا. وهذا هو السبب في أن من المهم المحافظة على علاقة تبادل ثقافي متصل في الاتجاهين معاً. كما أن علينا أن نفهم أنه بعد أزمة الحرب، التي كانت بدايةً للهجرات، لم نعد نحن لما كنَّاه. و علينا أن نعدِّل من تصورنا للأمة. و سوف ينفعنا هذا على المدى الطويل. و إلا فإننا سنختفي كوطن، مجسِّدين أنفسنا فقط كرعايا استهلاكيين، سلبيين، و غير منظورين على كوكب الأرض.
|
|
|
|
|