شارع الحمرا نزح الى الأشرفية
13/05/2008
الجيران - بيروت - الحياة - نزح شارع الحمرا في بيروت الى الأشرفية. فالشارع الذي شهد ومنذ اكثر من سنة ازدهاراً غير مسبوق في مقاهيه ومسارحه ومطاعمه مفسحاً المجال لشذاذ الأفق من سكان المدينة وللهائمين على وجوههم اولئك الذين غادروا أحياءهم وطوائفهم.
هذا الشارع سلمته المعارضة بعد ان سيطرت على بيروت الى عناصر الحزب السوري القومي الاجتماعي ما أدى الى انتقال الجميع الى منطقة الأشرفية في بيروت. مقاهي الأشرفية استضافت بالأمس «سكان» مقاهي الحمرا. المقاعد مختلفة ولكنها رحبة والصحافيون والكتاب والفنانون باشروا التحلق حول طاولات مقهى الـ «تشيز» وبعضهم اختار مول الـ ABCعلى رغم تحفظات سابقة عن اندراج المقهى في روح مركز تجاري.

الانتقال السريع هذا كان مفاجئاً ولم يحصل بالتدريج فالـ «معارضة» فاجأت الجميع، وان تصبح الحياة العامة في عهدتها فهو امر غير مختبر بعد، وهي باشرت إمساكها بالشارع بواقعة غير مطمئنة تتمثل بأقفال وسائل إعلام وصحف، فكان النزوح الى الأشرفية.

في الليل تولى شارع الجميزة استضافة نازحي الحمرا. المطاعم والحانات هناك بدأت استقبال اصحاب الأمزجة المختلفة عن مزاج الرواد التقليديين. فالنازحون درجوا في شارعهم السابق على نوع مختلف من السهر، فالحديث في السياسة وبصوت مرتفع قد لا ينسجم مع ميل رواد الجميزة من الموظفين في الشركات والمصارف ومن المهندسين والتقنيين وغيرهم ممن يلتقون في الجميزة.

جولة سريعة في الحمرا تشعرك بأن زلزالاً أصاب الحياة في هذا الشارع. فبدءاً بالأسلاك الشائكة على مدخل وزارة الداخلية في أول الشارع، ومروراً بمقهى «الكوستا» المقفل، ثم «ستارباكس» المحكم الإقفال ووصولاً الى «ليناز» الحائر عند المفترق المفضي الى دارة آل الحريري، على طول هذه المسافة الناس يعبرون متحسسين الأرصفة بأقدام مترددة. الوجوه ذاهلة والصدمة لم تنشف بعد عن مشهد واضح. ماذا جرى؟ لا أحد يعرف! وثمة شعور بأن تغيراً أصاب روح الشارع. المحال التجارية مقفلة، وبعض النفايات يمكن تجميعها بأقل من ساعة، ولكن وعلى رغم ذلك ثمة زلزال داخلي وعميق أصاب معنى الشارع وجوهره. فالحياة الجديدة اذا تمكنت من معنى الشارع لن تتسع لشيء.

الى الأشرفية اذاً. لكننا هناك مجرد نازحين، قال محمد، وأضاف: «نبدأ كنازحين ثم نرى لاحقاً ما سيحل بنا». اما عبد الرحمن وهو فنان تشكيلي فقال: «سنعود غداً الى الحمرا لا تقلقوا». ولكن الأشرفية لم تقتصر وظيفتها على استقبال رواد مقاهي الحمرا، فجميع من فضلوا مغادرة منازلهم في بيروت الغربية انتقلوا للسكن في الأشرفية لقربها من اعمالهم ولشعورهم بأن المسيحيين «عقلهم اكبر» حتى الآن على الأقل. ومن نافذة منزلك الجديد هناك يمكنك أن تشاهد منزلك القديم يرتفع حزيناً ومقفراً، كما يمكنك اذا ما أسعفتك بطاقة هويتك ان تركب سيارتك التي لم تتأثر نهائياً بالزلزال الذي أصاب بيروت، وتتجه بها الى ذلك المنزل القريب مخترقاً السواتر والإطارات المطفأة لتأتي بمنشفة ابنك. فيا الله ما اسهل الأشرفية وما أجملها، خصوصاً بعد قضائك يوم التهجير الأول في الكسليك، حيث السياحة تُطبق على صدرك وتستنزف مدخراتك.

ثم ان للأشرفية ميزة جديدة. حسن انتقل اليها ليقيم في منزل هدى الذي كان سبقه إليه حازم، وفادي يقصده يومياً من منطقة وزارة الخارجية، ومحمد سويد يسلك يومياً خط سد البوشرية (منزل شقيقته) ساحة ساسين. انه تهجير سهل حتى الآن، والأشرفية تعوض كثيراً عن إلفة الحمرا.

«الجيش لم يعط تطمينات واضحة بما يتعلق بالعودة» قال ميشال وهو فنان تشكيلي لم يسبق له في شارع الحمرا ان تحدث في السياسة، وهو اصلاً من المترددين الى الشارع ومن غير المقيمين فيه. لكنه يقول ان شيئاً غامضاً أشعره بأن ثمة ما يمنعه من الذهاب مجدداً الى هناك. أما فادي وهو مخرج أفلام فيديو (فيديو آرت) فقال ساخراً: «عندما رأيت عناصر من تيار المستقبل ومن الحزب الاشتراكي يسلمون مراكزهم الى الجيش اللبناني او الى مسلحي المعارضة، شعرت بأن من واجبي ان أذهب الى هناك وأُسلم أفلامي، على ان تكون الخطوة الثالثة تسليمكم انتم لمقالاتكم».

في الصباح بإمكانك ان تستجمع شجاعتك وتستقل سيارتك التي لم تتأثر نهائياً بالزلزال الذي أصاب بيروت وتخترق المنطقة الفاصلة بين الحرب والسلم، لتعبر من «الشرقية» الى «الغربية». جولة صغيرة في منطقة رأس بيروت المنكوبة، تعاين خلالها الوجود الكثيف للجيش وقوى الأمن في محيط منزل وليد جنبلاط، وصولاً الى محيط دارة الحريري في قريطم وما بينهما من اقفال محكم لكل مرافق الحياة. وعند مفترق فندق نابليون ولليوم الثاني على التوالي كان سمير يقف مع صديقته يوجهان نظريهما الى نقطة محددة لا يمكنك أنت العابر بسيارتك السليمة تعيينها. فترى الى اين كان سمير وصديقته ينظران؟ وهل ما زالا، ومنذ امس يفعلان، ما يفعلانه؟ قد يكون ما يقدمان عليه منذ الأمس تجهيزاً فنياً (انستلايشن). الحمرا في هذه الأيام تتحمل مثل هذه الفكرة.

أما في طريق العودة من «الغربية الطاردة» الى «الشرقية المستقبلة» فبإمكانك ان تعرج الى مبنى تلفزيون «المستقبل» في القنطاري حيث يتجمع يومياً عاملون فيه ومتضامنون معهم بانتظار ان يأتيهم الجيش اللبناني بأذن من المعارضة ليستأنفوا بثهم مجدداً.


quality="high" bgcolor="#FFFFFF" swLiveConnect="true"
width="125" height="125" type="application/x-shockwave-flash"
pluginspage="http://www.macromedia.com/go/getflashplayer">



Designed by NOURAS
Managed by Wesima