ثقافة للدجل والتنويم |
توفيق التميمي | 08/05/2008 |
من الممكن جدا ان تنتعش ثقافة الدجل والخرافة والتنويم الاجتماعي فجأة بدورات تاريخية تتكرر على خلفية ازمات متماثلة من غياب الدولة وهيبتها وهيمنة اشكال التسلط القبلي والطائفي على المجتمع وحرياته المدنية . وكذلك في حال غياب المنطق النقدي العلمي من السلوك والمنهج الدراسي والخطاب الاعلامي وكل ما يمت بصلة لبناء الانسان والمجتمع معا كما حصل ابان فترة اتسعينيات القرن الماضي. عندما انتعشت ظاهرة ثقافة السحر والشعوذة بكل اشكالها في جميع مرافق الدولة والحياة المدنية حيث تهافت القراء على كتب السحر الشهيرة من امثال ((شمس المعارف الكبرى )) و ((منبع اصول الحكمة)) و((السحر الاسود ))و ((السحر الاحمر)) وغيرها مما تعد ثقافة سرطانية في اعدادها لمعلمين بارعين في الشعوذة توزعوا في تكيات وغرف سرية اصطادوا بها ملايين السذج واهدروا فيها اموالهم وعقولهم وكان زبائنهم يمثلون المجتمع بكل شرائحه الاجتماعية ومن مختلف الاعمار وكانت الحكومة الراعية الاولى لهذه الثقافة والداعم الرئيس في انتشارها للدرجة التي تحدثت فيها معلومات موثوقة عن وجود طاقم من الدجالين في خدمة الرئيس السابق نفسه الذي أعتمد على تنبؤاتهم واستشرافاتهم في الكثير من المخططات والسلوكيات والقرارات المصيرية ومن القصر الرئاسي للدكتاتور تعممت فنون الخرافة والاعيب الشعوذة الى جميع مرافق المجتمع ومفاصله وتسيد ت طبقة من المشعوذين واغتنوا على حساب ملايين الفقراء الذين كانوا يتضورون الجوع ويعيشون الرعب اغفلت الرقابة الامنية المشددة عيونها ومخبريها عن منابع هذه الثقافة ومروجيها لتطلق كلابها وتكرس اجهزتها الرقابية والقمعية على تعقب وترصد منابع الثقافة النقدية والفكر العقلاني والطروحات التنويرية التي شهدها العالم بثورراته التقنية والمعرفية في اواخر القرن السابق هذا فضلا عن الثقافة التحريضية للنقمة على الاوضاع والتحفيز على تغيييرها واستطاعت الدولة بترويج ثقافة الخرافة والاتكالية على حساب الثقافة المعرفية النقدية ان تصنع مناخات لشلل الحس الاحتجاجي للواقع وتعطيل جمرات النقمة الشعبية على الاوضاع القائمة والتسربل في فضاء من التنويم الاجتماعي للاغلبية الساحقة من المواطنين. في تلك الفترة كان من السهل ان تجد ان المسروق يبحث عن ملامح اللص في مكاتب هؤلاء الدجالين ومراياهم الخادعة بدلا من مراكز الشرطة وابواب القضاء. وكذلك تجد ان المرأة العاقر تبحث عن وليدها المرتقب في احجية من الدجل بدلا من عيادات الاطباء والعلاج السليم وأمتدت هذه الثقافة السرطانية الى قصص الاطفال وافلامهم الكارتونية وكلمات الاغاني الشعبية حتى اصبحت الخرافة وثقافتها سمة واضحة تثير الامتعاض والحسرة على مجتمع قاد بدايات النهضة الفكرية وارسى بواكير المجتمع المدني في بدايات هذا العصر وفي بلد انجب العديد من رواد التنوير السياسي والاجتماعي والاقتصادي وظهرت في تاريخه المعاصر اولة الاحزاب ا لوطنية. وبدايات التفكير الديمقراطي على يد مفكرين ومثقفين من امثال حسين الرحال وعبد الفتاح ابراهيم وعلى الوردي وفيصل السامر ونوري جعفر وفائق حسن وسواهم من المفكرين والمبدعين الذي ارسوا حجر المدنية والتطور في العراق المعاصر والخشية الان من انبعاث هذه الثقافة بنفس الدرجة والحدة والانتشار ما زال قائما لدى التنويريين والمثقفين الوطنيين لانه عندما تؤول اوضاع المجتمع الى الخراب في شكل الدولة وتبعثرها وسيادة الطائفية والعنصرية بدلا من المواطنة وهيبة الدولة وكذلك في احوال مشابهة من اقصاء الثقافة النقدية وتهميش رموزها وتعطيل وظائفها الفكرية والثقافية ومهمتها التغييرية المطلوبة في لحظة تاريخية كلحظتنا التي نمر فستكون الارض خصبة والمناخ ملائما لتسرب وانبعاث هذه الثقافة من جديد مادامت ان القوى التنويرية والنخب المعرفية لم تضع في حساباتها مقاومة هذه الثقافة ومكافحة ادواتها وتقديم البدائل المرجوة من ثقافة النقد والمساءلة والنهضة والعلمية المطلوبة لمرحلة التحول والتغيير الديمقراطي والحضاري. |
|
|
|
|